في كل مرة يلتئم فيها العالم لمناقشة المأساة السودانية، يعود السؤال نفسه: هل يسمع أحد أنين السودانيين حقاً، أم أن بلادنا تحولت إلى بند عابر في أجندة الاجتماعات الدولية؟ لكن مؤتمر برلين الأخير، بما حمله من اهتمام سياسي ورسائل واضحة، يمكن النظر إليه باعتباره نافذة جديدة، وربما فرصة لا يجوز التفريط فيها، إذا أحسنت القوى المدنية السودانية قراءته والتعامل معه بجدية ومسؤولية.
لقد دخلت الحرب عامها القاسي، تاركة وراءها مدناً محطمة، وملايين النازحين، واقتصاداً يترنح، ونسيجاً اجتماعياً يتآكل كل يوم. وفي ظل هذا الانهيار، لم يعد مقبولاً أن يظل المدنيون متفرقين، منشغلين بخلافاتهم القديمة، بينما يتقدم خطاب السلاح على حساب صوت السياسة والحياة.
مؤتمر برلين لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي آخر، بل رسالة بأن المجتمع الدولي ما زال يرى أن للسودان فرصة للنجاة، وأن الحل السياسي المدني لا يزال ممكناً، رغم كل الدمار. ما تم الاتفاق عليه من دعم المسار السياسي، وتعزيز العمل الإنساني، وضرورة وقف إطلاق النار، يمكن أن يشكل أساساً حقيقياً لإنهاء الحرب، إذا وجد شريكاً سودانياً مدنياً يمتلك الإرادة والرؤية.
وهنا تكمن المسؤولية الكبرى. على القوى المدنية أن تلتقط القفاز، لا بوصفها متفرجاً على ما يجري، بل بوصفها صاحبة المصلحة الأولى في إنقاذ الوطن. المطلوب اليوم ليس بيانات متفرقة، ولا تنافساً على المنابر، بل جبهة مدنية واسعة، قادرة على تحويل التفاهمات الدولية إلى ضغط سياسي داخلي منظم يفرض أولوية السلام.
إن العالم يستطيع أن يفتح الأبواب، لكنه لا يستطيع أن يعبرها نيابة عن السودانيين. يمكنه أن يقدم الضمانات، وأن يرعى الحوار، وأن يدعم إعادة الإعمار، لكنه لا يستطيع أن يصنع إرادة وطنية غائبة. تلك مهمة السودانيين أولاً، ومهمة القوى المدنية على وجه الخصوص.
ما نحتاجه الآن هو مشروع مدني واضح: وقف شامل للحرب، حماية المدنيين، إيصال المساعدات، إطلاق عملية سياسية جامعة، وقطع الطريق أمام كل من يريد استثمار الدم لإعادة إنتاج الاستبداد. وهذا المشروع لن يولد إلا إذا تجاوزت القوى المدنية حساسياتها الصغيرة، وارتفعت إلى مستوى الكارثة الوطنية.
لقد أثبتت الحرب أن البندقية لا تبني دولة، وأن منطق الغلبة لا ينتج سوى مزيد من الخراب. وحدها السياسة العادلة، والدولة المدنية، والمؤسسات الوطنية، قادرة على إخراج السودان من هذا النفق الطويل.
برلين قدّمت فرصة، لكنها لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. وإذا أضاعها السودانيون، فقد لا يأتي العالم مرة أخرى بالحماس نفسه، ولا بالاستعداد ذاته.
لهذا، فإن اللحظة الآن ليست لحظة تردد، بل لحظة شجاعة. وعلى القوى المدنية أن تدرك أن التاريخ لا يرحم المتأخرين، وأن الشعوب المنهكة لا تنتظر كثيراً من يخذلها.
السودان يحتاج إلى من يلتقط القفاز… لا إلى من يراقب سقوطه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.