عندما قررت مراكز الأبحاث في “أكسفورد وهارفارد”، قبل عامين، أن تعيد ترتيب شجرة العائلة البشرية، واضعةً السودان أصلاً ومصدراً وحيداً لكل من يمشي على هذه الأرض، لم يكن ذلك مجرد تصحيح لتاريخ الإنسان البيولوجي، بل كان وضعاً للعالم أجمع أمام “مرآة” حقيقة السودان الكبري التي حاول البعض طمسها لآلاف السنين.
أما اليوم، وفيما هذا البلد نفسه يتقولب تحت لظى الحروب، يقفز الي ذهني من عمق مأساته المتطاولة سؤال: هل يجرؤ العالم على النظر في مرآة هذا الوطن “مجدداً”؟
فقد جرّب العالم من قبل، وتحديداً “العقل الغربي” منه، النظر في مرآتنا قبل أكثر من قرن؛ حين رأى الأيرلنديون المقهورون في ثورة المهدي السوداني صورتهم المشتهاة، فهتفوا: “Up the Mahdi” في وجه التاج البريطاني، ورأوا في جبته المرقعة ما يصلح لأن يكون رمزاً ملهما للحرية.
لقد ذُعر المستعمر البريطاني آنذاك؛ لأن هذه “المرآة السودانية” كانت صلبة، بما يكفي لكشف زيف دعاوى “التحضر” الإمبريالي، ولأثبات أن ملوك كوش، الذين وقفوا أطول من آلهتهم في المعابد، لا يزالون يمشون في عروق أحفادهم.
لكن المدهش أن هذا العالم نفسه عاد لينظر في مرآتنا هذه من جديد في ديسمبر 2018؛ حيث لم تكن ثورتنا الشعبية السلمية مجرد احتجاج على الخبز، بل كانت “انفجاراً للجمال” في وجه القبح الكوني السائد. فقد ارتد حينذاك نور الثورة المباركة ليضيء شوارع مينيابوليس الأمريكية عقب مقتل جورج فلويد، ليري العالم كيف أن “تقنيات اعتصام القيادة المبتكرة”، وجدارياته، وسلوكياته الانسانية الرفيعة، وتنظيمه الذاتي البديع، أضحي النموذج و”القالب” القادر على مواجهة سوءات العنصرية والقهر الحديث. لقد اقتبس الأمريكيون، في تلك اللحظة الملهمة، من الثوار السودانيين أدوات نضالهم، وتعبيرات ادائهم الثوري الخلاق، ونقائهم الأخلاقي الذي لا يضاهي في هذا العصر.
لكن اليوم، في وقت يتقولب فيه السودان والعالم معاً في رحم الغيب، لا تزال المرآة السودانية تبدو “مخيفة” إلى درجة جعلت القوى الكبرى تغض الطرف عن حريقنا الماثل، الذي خلّف أكبر مأساة إنسانية على ظهر هذا الكوكب؛ لتصبح حربنا “منسية”، جراء إغلاق الإعلام العالمي عينيه طويلاً عنها، هرباً ربما من شبح ما وراء السودان القادم.
لأن النظر في مرآة السودان يعني، في الحقيقة، رؤية لنهاية كل قوالب هذه الدنيا، المعلبة والجاهزة.
إذ إن الوقوف أمام هذه المرآة يعني، ضمنياً، الاعتراف بأن هذا السودان على فقره وبؤسه الراهن، يحمل بين تضاعيفه شيئا من سر “تكملة ثُلّة” دين الإنسانية الخاتم، وهو بالطبع سرّ خفي لا تطيقه، إلى يومنا هذا، كل مختبرات الحضارة المادية المعاصرة.
وبالنظر العميق في هذه المرآة، لابد أن نكتشف ان الحرب الحالية ليست سوى “عملية جلاء” كبرى، من شأنها أن تزيح الرين والصدأ عن معدن السودانيين الجيني الممتد والمتواصل بلا انقطاع لنحو مليون عام، الأمر الذي يهدد عروشاً عالمية بُنيت وإعتاشت على صورة تقدم حضاري زائف.
فكما في نبوءة الإياب والبريق، سينفتح لا محالة الطريق اليوم أمام طلائع أحرار البشرية، كي يدرك العالم الذي يتقولب من حولنا بغريزته علي الأقل، أن خلاصه وخلاص الإنسانية كلها، مرتبط بفك الشفرتين “الكوشية” و”المروية”، اللتين لا تزالان مطمورتين في غياهب جُبّ بعيد.
وللحقيقة، فإن السودان، الذي أهداه نهر “جيحون” سر البقاء، يمر الآن بمرحلة “الزهر الحصرم” قبل نضوج القطاف.
وبالتالي، فإن سؤال “هل يجرؤ العالم؟” ما هو سوى دعوة لهذا العالم كي يواجه ما أنكر من أصله، وما تجاهل من أساس قدوته؛ بيد أن هذا العالم قد يجد نفسه مضطراً للنظر في حقيقة السودان من جديد، مثلما فعل معهد “البيغ داتا” قبل حين، ليس بالنظر إليه كأصل للبشرية، ولا كوطن لضحايا حرب، كما تفعل برلين اليوم، بل كـ”مختبر لقيامة حضارية” قادمة.
على أية حال، فإن “جمرة ديسمبر” التي أبت أن تنطفئ، وزيت “كوش” الذي سيضيء ولو لم تمسسه نار، هما ما سيجعلان هذه المرآة صلبة ومستفزة إلى أقصى حد. رغم أن هذا العالم “إبن السودان العاق” الذي ظل يهرب من النظر إلي أبيه وأصله الأول، سيعود لا محالة مرغماً، في نهاية “تقولبه” هذا، صاغراً، لينشد مع ملوك كوش الأوائل نشيد العودة إلى المصدر، الذي هو أول نشيد وطني في التاريخ، يقول
نصه الموثق بالبركل:
“خلقنا الله فسجدنا له،
وجعل العالم ليهتف لنا،
فنحن الأوائل في كونه،
وكل البشر أتوا بعدنا،
فيا مجد كوش العظيم المجيد.
فمن في الورى يكون مثلنا،
وكنداكة تنسج ثوب المهابة
عزا وفخرا ليبقى لنا”.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.