في خضم أتون الحرب السودانية المستعرة، تقف “القوة المشتركة” اليوم بين شقى الرحا وعلى مفترق الطرق حيرى، لا يبدو أيًا من مساراته يفضي إلى بر الأمان. فبعد سنوات من الكفاح المسلح كحركات تمرد، وبعد أن رمت بثقلها في معركة غير محسومة، تجد هذه القوة نفسها تحصد السراب تلو السراب، وتواجه تداعيات رهان خاسر بدأ بخطأ استراتيجي فادح بتركها للحياد دون تفكير عميق ونظرة حقيقية للواقع الماثل وقراءة المستقبل.
لقد كانت القوة المشتركة، في بداياتها، تمثل طموحًا مشروعًا لقوى الهامش، لأنها سعت لتحقيق العدالة والمساواة وفقدت في سبيل ذلك قادتها العظام. وهذا المسار المعتدل، الذي كان يمكن أن يتوج بدور محوري في بناء السلام، تحول إلى متاهات من الحسابات الخاطئة والمصالح الضيقة. إن اختيارها لمعسكر الحركة الإسلامية والجيش المرتهن، بعد عقود من القتال ضد النظام السابق، لم يكن مجرد انحياز، بل كان بمثابة “خطأ تاريخي وذنب لا يغتفر”، كما يصفه كثيرون. هذا التحول لم يضعها في موقف الحياد الذي كان يمكن أن يجعل منها صمام أمان للبلاد، بل ألقى بها في أتون حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وفتح عليها أبوابًا من العداوات لم تكن في حسبانها.
اليوم، تتشتت جهود القوة المشتركة على جبهات متعددة، من كردفان إلى الجزيرة والنيل الأزرق، في مطاردة لأهداف تبدو بعيدة المنال. فبدلاً من التقدم نحو “دارفور جنتها الموعودة”، تجد نفسها تدافع عن مواقعها، تارة، وتخوض معارك لا تخدم أجندتها الأصلية، تارة أخرى. لقد أصبحت كـ”الهر الذي يحاكي مشية الاسد”، لا هي بقادرة على العودة إلى هويتها الأصلية كحركة تمرد، ولا هي قادرة على التكيف الكامل مع الدور “النظامي” الذي انخرطت فيه، لتفقد هويتها وتتوه في مساحات رمادية.
إن الارتهان في خرائب الخرطوم، بعد أن فقدت العاصمة بريقها وأصبحت مجرد ذكرى، ليس سوى دليل آخر على هذا الرهان الخاسر ومطاردة السراب. إنه تقليد أعمى لخطوات الدعم السريع، دون إدراك أن المشهد قد تغير، وأن هذه المواقع لم تعد ذات قيمة استراتيجية تُذكر.
لقد خانت قيادات العلف”مناوي وجبريل” ليس فقط أهلهم في معسكرات النزوح واللجوء، بل خانت أيضًا مبادئ الحركة التي ادعت أنها تمثلها كذبا وبهتانا وزورا. لقد كان الطمع في المكاسب المادية والسياسية قصير المدى هو المحرك الاساسى،والثمن باهظًا هو تدمير المستقبل، وتعميق الشرخ المجتمعي، وتورط في حرب لم تكن لتخدم سوى مصالح أطراف أخرى لابقرة لهم فيها ولا عجل.
الآن، وبعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه لشفا جرف هار فانهار
وهنا تبدو فكرة الرجوع إلى بيت الطاعة او التعاون الندى، سواء مع الجيش أو حتى الدعم السريع، مستحيل. فالشكوك المتبادلة، والدماء التي سالت، والمرارات التي تراكمت، كلها عوامل تجعل من أي مصالحة حقيقية ضربًا من الخيال.
إن القوة المشتركة تحصد اليوم ثمار رهانها الخاسر، وتعيش مرارة مطاردة السراب وقبض الريح لقد بلغ سيلها الزبا وحزامها الطبيين. لقد أضاعت فرصة تاريخية للعب دور بناء كوسيط محترم، واختارت أن تكون جزءًا من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءًا من الحل. وفي ظل هذا الوضع المأزوم، لايمكن التكهن بمستقبلها إلا بمزيد من التشتت والضياع، ما لم تتم المراجعة الشاملة والحقيقية للمسار وعمل جرد الحساب، والعودة إلى الجزور ومبادئ الثورة والعدالة التي انطلقت من أجلها في المقام الأول.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.