البرهان يفضح حلفاءه بالمعطف الأبيض: حين تسقط الأخلاق في مستنقع الحرب

حسن عبد الرضي

قد تنكشف الهزائم العسكرية، في الحروب، وقد تُفضح الحسابات السياسية، لكن الأخطر من ذلك كله هو انكشاف السقوط الأخلاقي الذي يُدار باسم الوطن، ويُرتكب تحت شعارات جوفاء من قبيل “الكرامة” و”الحسم” و”المعركة المصيرية”.
وما صدر مؤخرًا على لسان عبد الفتاح البرهان لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان أو حديثًا عابرًا، بل هو اعتراف خطير يهدم السردية الرسمية من أساسها، ويفضح شبكة من التواطؤ تجاوزت السياسة إلى المساس بجوهر أقدس المهن الإنسانية: مهنة الطب.
حين يتحدث القائد العسكري عن أطباء عملوا في مناطق الحرب بوصفهم جزءًا من “المعركة الحاسمة”، ويشير إلى أدوار تتعلق بجمع المعلومات، ورفع الإحداثيات، والتبليغ، فهو لا يمدحهم كما ظن، بل يدينهم ويدين نفسه معهم. لأن الطبيب، في كل الشرائع والقوانين والأعراف، ليس مقاتلًا، ولا مخبرًا، ولا جزءًا من آلة الاستهداف. الطبيب مؤتمن على الحياة، لا شريك في هندسة الموت.
والكارثة أن هذا الحديث لم يأتِ من خصوم الحرب، بل من رأس المؤسسة التي خاضتها. أي أن البرهان، دون حصافة سياسية أو وعي قانوني، قدّم بنفسه مادة إدانة أخلاقية وتاريخية بحق من تعاونوا معه، وربما بحق مؤسسات كاملة حاولت أن تتخفى خلف عبارات المهنية والحياد.
لقد أراد أن يتباهى بـ”الانتصارات”، فإذا به يكشف أن بعض هذه الانتصارات قامت على اختراق المؤسسات الطبية وتحويلها إلى أدوات استخباراتية. وهنا لا تعود المسألة مجرد تجاوز فردي، بل تصبح انحدارًا ممنهجًا في فهم الدولة، وفي احترام حدود العمل الإنساني.
والأخطر من ذلك أن البرهان، بهدمه لمبدأ الحياد الطبي، لا يورّط أفرادًا بعينهم فحسب، بل يضع مستقبل الكوادر الطبية السودانية بأكملها في دائرة الخطر أمام كل الأطراف التي تواجهه اليوم أو قد تواجهه مستقبلًا. إنه يفتح أبواب الشك والانتقام على مهنة يفترض أن تبقى فوق الصراعات.
فالبرهان، هادم الدولة السودانية، اعتاد الزج بالمواطنين في أتون حربه العبثية. صنع من المواطن السوداني هدفًا مباشرًا لهذه الحرب، وتوعد الدعم السريع بأربعين ألف مستنفر من ولاية الجزيرة، ثم فرّ هاربًا، تاركًا الجميع أمام بندقية الدعم السريع. واليوم يعيد المشهد نفسه، لكن هذه المرة على حساب الأطباء، حين يجرّهم إلى جريمة الحرب بخطاب غير مسؤول، ويحوّلهم من رسل حياة إلى أطراف في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
أما الفضيحة الأكبر، فهي ما يتعلق بما يسمى “لجنة أطباء السودان” وبعض الأجسام التي ظلّت تُصدر بيانات وتقارير تدّعي المهنية والاستقلالية، بينما تتكشف يومًا بعد يوم مؤشرات قوية على أنها ليست سوى واجهات تخدم رواية السلطة الأمنية.
لقد صدّعت هذه اللجان الناس بتقارير منحازة، وأرقام مضروبة، وبيانات موجّهة، إلى أن جاءت تقارير المنظمات المستقلة لتكشف التناقضات وتنسف المصداقية. وعندما تصبح التقارير الطبية جزءًا من ماكينة الحرب الدعائية، فإن المجتمع لا يخسر الحقيقة فقط، بل يخسر الثقة في المؤسسات التي يُفترض أن تكون آخر حصون الإنسانية.
وهنا لا بد من الإشادة بما كتبه الكاتب بشرى علي، الذي التقط خطورة هذا التصريح وقرأ ما وراءه من دلالات دامغة. فقد تعامل مع الكلام بوصفه وثيقة إدانة سياسية وأخلاقية، لا مجرد مادة للجدل. وهذا النوع من الكتابة يستحق التقدير، لأنه لا يكتفي بالسرد، بل يضع الإصبع على الجرح العميق: جرح انحراف المهن النبيلة عن رسالتها حين تبتلعها آلة الحرب.
لكن الإنصاف يقتضي الحذر من التعميم. فليس كل الأطباء متورطين، وليس من العدالة أن تُحمَّل مهنة بأكملها وزر أفراد أو مجموعات انحرفت عن قسمها المهني.
في السودان، كما في كل مكان، هناك أطباء حافظوا على إنسانيتهم وسط الخراب، وعالجوا الجميع دون تمييز، ورفضوا أن يكونوا أدوات في الصراع. هؤلاء هم الذين حفظوا شرف المهنة، وهم الذين يجب أن يُستعاد صوتهم.
أما الذين حوّلوا المعطف الأبيض إلى غطاء للعمل الأمني، أو التصفية، أو التلاعب بالجرحى، فإن التاريخ لن يرحمهم، والقسم الذي خانوه سيظل شاهدًا عليهم.
الحروب تكشف النفوس، لكن التصريحات غير المحسوبة تكشف ما حاولت الأنظمة إخفاءه.
والبرهان، في لحظة تفاخر، أسقط الأقنعة عن حلفائه. فظن أنه يروي بطولات، فإذا به يكتب بيده شهادة على تسييس الطب، وتلويث المؤسسات، وجرّ المهن الإنسانية إلى مستنقع الحرب العبثية.
وهكذا، مرة أخرى، يثبت أن غياب الحصافة لا يضر صاحبه وحده، بل يفضح المنظومة كلها، ويُسرّع في تعرية مشروعٍ لم يبنِ دولة، بل هدم ما تبقى منها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.