حين تتحول الاتهامات إلى سياسة.. هل يحتاج السودان إلى خصوم جدد أم إلى دبلوماسية أكثر حكمة؟

مهدي داؤد الخليفة

في لحظةٍ هي من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ السودان الحديث، اختارت الحكومة أن ترفع سقف خطابها إلى مستوى اتهام دولٍ ذات سيادة، مثل إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة، بالتورط في قصف مطار الخرطوم عبر طائرات مسيّرة يُقال إنها انطلقت من مطار بحر دار.
وهي اتهامات، إن ثبتت، فهي تمثل تصعيدًا خطيرًا يتجاوز حدود الأزمة الداخلية إلى فضاء إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات.
أما إن لم تثبت، فإن كلفتها السياسية والدبلوماسية قد تكون أفدح من الصمت ذاته.
القاعدة الأساسية في العلاقات الدولية ليست إطلاق الاتهامات، بل إثباتها.
فالدول لا تُدان بالتصريحات، بل بالأدلة التي يمكن عرضها أمام مؤسسات دولية معتبرة، مثل الأمم المتحدة أو أجهزتها المختصة.
حتى الآن، لم تُقدَّم هذه الأدلة للرأي العام أو للمجتمع الدولي بصورة شفافة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام معطيات استخباراتية مكتملة لم يُفصح عنها بعد؟
أم أمام خطاب سياسي استباقي يسعى لتفسير تعقيدات الداخل بإسقاطها على الخارج؟
في الحالتين، فإن إدارة هذا الملف تتطلب قدرًا أعلى من الانضباط والاحتراف.
ليس من السهل تصور أن دولًا بحسابات دقيقة مثل الإمارات العربية المتحدة أو إثيوبيا يمكن أن تنخرط بشكل مباشر ومكشوف في عمل عسكري من هذا النوع دون حسابات معقدة تتعلق بالتكلفة والمخاطر والعواقب الدولية.
فمثل هذا السلوك، إن ثبت، يعرّض هذه الدول لمساءلة دولية، وقد يفتح الباب أمام تصعيد دبلوماسي أو حتى عقوبات.
ولذلك فإن الافتراض الأبسط، إلى أن تثبت الأدلة، هو أن المشهد أكثر تعقيدًا مما يُطرح في التصريحات الرسمية.
تقنيًا، يمكن للطائرات المسيّرة بعيدة المدى أن تقطع مسافات كبيرة، لكن هذا النوع من العمليات يتطلب: • بنية تشغيلية متقدمة • أنظمة توجيه واتصال دقيقة • غطاءً استخباراتيًا متكاملًا • وآثارًا فنية يمكن رصدها عبر الأقمار الصناعية والرادارات
وهنا يبرز سؤال منطقي: إذا كانت العملية بهذه الدرجة من التعقيد، فأين التقارير الفنية التي تدعم الرواية؟
و هل ستُعرض على جهات تحقيق دولية مستقلة؟
المشكلة لا تكمن فقط في الاتهام، بل في توقيته وسياقه.
فالسودان اليوم: • يواجه حربًا داخلية معقدة • يحتاج إلى دعم إقليمي ودولي • يعتمد على قنوات الوساطة لوقف النزيف
وفي مثل هذا الظرف، فإن توسيع دائرة الخصومة ليشمل دولًا مؤثرة في الإقليم، قد يؤدي إلى: * تقليص فرص الوساطة * إضعاف الدعم الإنساني والسياسي * إدخال السودان في عزلة دبلوماسية غير محسوبة
كما أن تكرار توجيه الاتهامات الخارجية دون تقديم أدلة، يضعف من مصداقية الخطاب الرسمي على المدى الطويل.
ما يُلاحظ في السنوات الأخيرة هو ميل بعض الخطابات الرسمية إلى تفسير الأزمات الداخلية عبر أطراف خارجية.
ورغم أن التدخلات الإقليمية ليست مستبعدة في سياق مثل السودان، إلا أن: تحويل الخارج إلى تفسير دائم للأزمة، لا يُعفي الداخل من مسؤولياته، بل يؤجل مواجهتها.
الأزمة السودانية، في جوهرها، أزمة سياسية داخلية معقدة، وأي محاولة لتبسيطها عبر سرديات خارجية قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها لا تنتج حلًا مستدامًا.
إذا كان الهدف هو حماية السيادة السودانية، فإن الطريق الأكثر فاعلية لا يمر عبر التصعيد الإعلامي، بل عبر دبلوماسية مدروسة تقوم على: * عرض الأدلة عبر القنوات الدولية مثل مجلس الأمن الدولي بدل الاكتفاء بالتصريحات * فتح قنوات اتصال مباشرة مع الدول المعنية لتوضيح الحقائق واحتواء التوتر * الاستفادة من أطر إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي وًالجامعة العربية لتقريب وجهات النظر * ضبط الخطاب الرسمي بما يعكس مسؤولية الدولة لا انفعال اللحظة * الفصل بين إدارة الحرب داخليًا والعلاقات الخارجية
من حق أي دولة أن تدافع عن سيادتها، وأن تحتفظ بحق الرد على أي عدوان.
لكن هذا الحق، في عالم اليوم، لا يُمارس خارج إطار الشرعية الدولية ولا بمعزل عن حسابات السياسة.
السودان لا يحتاج اليوم إلى توسيع دائرة خصومه، بل إلى تضييق مساحة الحرب، وبناء مسارات للحل، واستعادة موقعه في الإقليم كدولة فاعلة لا كساحة صراع.
إن إثبات الحقيقة هو الخطوة الأولى، وإدارة العلاقات بحكمة هي الطريق الأقصر لتجنب الأسوأ.
وفي ظل تعقيد المشهد، تبقى الدبلوماسية الرشيدة ليست خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة وجودية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.