مفارقة «الحضن الانتقائي».. لماذا يضيق الوطن بالمدنيين ويتسع للمسلحين؟
تقرير: عين الحقيقة
في ظل الصراع المحتدم الذي يمزق أوصال السودان، تبرز مفارقة سياسية وأخلاقية تثير كثيراً من التساؤلات حول معايير “الوطنية” و”القبول”. فبينما تُفتح مسارات التفاوض وتُبدى المرونة تجاه من انخرطوا في القتال، يواجه الصوت المدني الأعزل جداراً صلباً من الإقصاء والتخوين.
البندقية كـ«جواز سفر» للشرعية
يشير الواقع الميداني إلى أن المؤسسة العسكرية تميل إلى استيعاب حملة السلاح ضمن معادلات توازن القوى، في حين تُعامل القوى المدنية، التي طالبت بوقف الحرب منذ «الطلقة الأولى»، باعتبارها طرفاً مشبوهاً. ويُرسخ هذا النهج فكرة أن البندقية أصبحت المصدر الوحيد للشرعية في نظر السلطة القائمة.
الاستخبارات وحرب «الاغتيال المعنوي»
لا يتوقف الأمر عند حدود الرفض السياسي، بل يمتد إلى استخدام أدوات استخباراتية وإعلامية في عملية “شيطنة” ممنهجة للقوى المدنية، عبر عدة مسارات، أبرزها:
التخوين الممنهج: ربط المطالبة بالديمقراطية والعدالة بالعمالة للخارج.
التضليل الرقمي: استخدام غرف العمليات الإلكترونية لتصوير النخب المدنية كبديل ضعيف أو فاشل.
تجفيف الموارد: استغلال اقتصاد الحرب لحرمان القوى المدنية من أي تأثير ميداني أو إعلامي.
اختراق القواعد.. «عسكرة» العمل الإنساني
تُعد عملية الالتفاف على «غرف الطوارئ» والمبادرات القاعدية من أخطر مراحل تجريف المجتمع المدني، إذ يجري اختراق بعض هذه الكيانات وتسييسها أو توظيفها أمنياً، لتتحول من مبادرات مستقلة إلى أدوات لجمع المعلومات أو توجيه المساعدات وفقاً لمعايير الولاء، بما يفرغ العمل الإنساني من جوهره المهني والأخلاقي.
مآلات تغييب «العقل المدني»
إن استمرار هذا النهج يقود، بالضرورة، إلى تحويل السودان إلى «ثكنة كبيرة» تفتقر إلى الرؤية التنموية والسياسية، ويدفع قطاعات من الشباب إلى الاعتقاد بأن الانخراط في التشكيلات المسلحة هو الطريق الوحيد للحصول على الاعتراف أو التأثير السياسي.
صفوة القول
الاستقرار الحقيقي لن يبدأ بتوقيع اتفاقيات لتقاسم السلطة بين المسلحين، بل بفتح حضن الوطن أمام الصوت المدني الذي رفض أن تتلوث يداه بالدماء، وبفك الارتباط بين البندقية وحق الحكم، حتى لا تتحول الحرب إلى القاعدة الوحيدة لصناعة المستقبل في السودان.
في السودان اليوم، يبدو أن الطريق إلى الاعتراف السياسي يمر عبر فوهة البندقية، لا عبر صوت العقل. وبينما يُكافأ المسلحون بالمفاوضات، يُعاقَب المدنيون بالتخوين والإقصاء، في مفارقة تكشف كيف أصبحت الحرب نفسها بوابة الشرعية والسلطة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.