الرباعية… الفرصة الأخيرة لإنقاذ السودان

نورا عثمان

في الوقت الذي يغرق فيه السودان أكثر فأكثر في مستنقع الحرب والانهيار الإنساني، جاءت الرسائل الأميركية الأخيرة الداعمة لمسار الرباعية لتؤكد حقيقة باتت واضحة للجميع: لا مخرج من الكارثة السودانية إلا عبر تسوية سياسية شاملة توقف الحرب وتعيد السلطة إلى مسار مدني.

تجديد واشنطن دعمها الكامل لمسار الرباعية ليس مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل مؤشر مهم على أن المجتمع الدولي بدأ يدرك أن استمرار الحرب لم يعد يهدد السودان وحده، بل استقرار الإقليم بأكمله. فبلد بحجم السودان، بهذه الجغرافيا وهذا الموقع الاستراتيجي، لا يمكن أن يُترك رهينة للفوضى والسلاح والميليشيات إلى ما لا نهاية.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الحل العسكري وهم كبير. كل طرف يعتقد أنه قادر على الحسم بالقوة، لكن النتيجة الوحيدة التي تحققت حتى الآن هي المزيد من القتلى، والمزيد من المدن المدمرة، وملايين النازحين واللاجئين، وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة.

ومن هنا تأتي أهمية مسار الرباعية، لأنه لا يقوم على منطق الغلبة العسكرية، بل على فكرة الانتقال السياسي وإنهاء الحرب عبر تفاهمات إقليمية ودولية تفرض على الأطراف المتصارعة الجلوس إلى طاولة الحل، مهما طال زمن المناورة.

الحقيقة التي تزعج دعاة الحرب هي أن مشروع الرباعية يعني عمليًا نهاية مرحلة استخدام السلاح كوسيلة للحكم والسيطرة. ولذلك تواجه المبادرة مقاومة شرسة من القوى المستفيدة من استمرار الحرب، سواء داخل المعسكرات العسكرية أو داخل التيارات الأيديولوجية التي ترى في الفوضى فرصة لإعادة إنتاج نفوذها القديم.

الإخوان المسلمون في السودان، على سبيل المثال، يدركون جيدًا أن أي تسوية سياسية حقيقية ستقود بالضرورة إلى تفكيك بنية التمكين التي عاشوا عليها لعقود، وستفتح الباب أمام مساءلات سياسية وقانونية واقتصادية. ولهذا ظلوا يدفعون باتجاه إطالة أمد الحرب، وتعطيل كل المبادرات الإقليمية والدولية، أملاً في فرض أنفسهم مجددًا كطرف لا يمكن تجاوزه.

لكن العالم تغير. والولايات المتحدة، مثل كثير من القوى الدولية والإقليمية، لم تعد ترى في الجماعات المؤدلجة شريكًا يمكن الرهان عليه لبناء الاستقرار. الأولوية اليوم أصبحت لإنقاذ الدولة السودانية نفسها من الانهيار الكامل، وليس لإعادة تدوير القوى التي ساهمت في إيصال البلاد إلى هذا المصير.

مسار الرباعية، رغم كل التعقيدات، يبقى اليوم الخيار الأكثر واقعية لإنقاذ السودان. فهو يطرح وقفًا للحرب، ومسارًا سياسيًا انتقاليًا، وإعادة بناء المؤسسات المدنية، وفتح الطريق أمام حكومة شرعية تمثل السودانيين بعيدًا عن منطق السلاح والتمكين.

صحيح أن الطريق لن يكون سهلاً، فهناك قوى كثيرة ستقاتل من أجل استمرار الفوضى، لأن السلام بالنسبة لها يعني نهاية النفوذ والمصالح. لكن استمرار الحرب لم يعد خيارًا يحتمله السودان. فكل يوم إضافي من القتال يدفع البلاد خطوة أخرى نحو التفكك والانهيار الكامل.

السودانيون الذين خرجوا في ثورة ديسمبر كانوا يحلمون بدولة مدنية عادلة، لا بدولة تحكمها البنادق والكتائب والخطابات التعبوية. واليوم، بعد كل هذا الخراب، أصبحت مسؤولية القوى المدنية والمجتمع الدولي أكبر من أي وقت مضى للدفاع عن هذا الحلم ومنع دفنه تحت ركام الحرب.

الرباعية ليست مجرد مبادرة سياسية، بل ربما تكون الفرصة الأخيرة المتبقية قبل أن يفقد السودان نفسه بالكامل

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.