جيبوتي على خط النار… لقاء عقار وآبي أحمد يكشف هشاشة العلاقة بين السودان وإثيوبيا توتر مكتوم وتحالفات متحركة في القرن الإفريقي
تقرير : عين الحقيقة
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في العلاقات السودانية الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة، حمل اللقاء الذي جمع نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جيبوتي رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية التقليدية. فالاجتماع، الذي جاء بوساطة ورعاية مباشرة من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، لم يكن مجرد محاولة لاحتواء خلاف عابر بين دولتين جارتين، بل عكس حجم القلق الإقليمي من احتمال انتقال التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا إلى مستويات أكثر خطورة، في ظل الحرب السودانية وتعقيدات المشهد في القرن الإفريقي.
تنظر أديس أبابا إلى الخطاب السوداني باعتباره محاولة لتصدير الأزمة الداخلية وإلقاء اللوم على أطراف خارجية، بينما تتهم دوائر إثيوبية الخرطوم بالحفاظ على قنوات تواصل مع مجموعات إثيوبية معارضة.
غياب البرهان… رسالة سياسية مقصودة
أثار غياب رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عن اللقاء، وإرسال مالك عقار بدلًا عنه، الكثير من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية. ويرى مراقبون أن القرار السوداني لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل خطوة محسوبة بعناية تهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع إثيوبيا، دون تقديم ما يمكن تفسيره باعتباره تراجعًا سياسيًا أو تنازلًا عن الاتهامات المتبادلة بين الطرفين. ويقول الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد السر: “الخرطوم أرادت إيصال رسالة مزدوجة؛ فهي لا ترغب في القطيعة الكاملة مع إثيوبيا، لكنها في الوقت ذاته لا تريد منح آبي أحمد انتصارًا دبلوماسيًا مجانيًا في توقيت شديد الحساسية”.
اتهامات متبادلة ومخاوف أمنية
تأتي هذه التحركات وسط تصاعد الاتهامات السودانية لإثيوبيا بالتورط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في دعم تحركات عسكرية مرتبطة بالحرب السودانية، خاصة عبر اتهامات تتعلق بملف الطائرات المسيّرة والهجمات التي استهدفت مواقع حيوية في الخرطوم والنيل الأبيض.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن الخرطوم باتت تتعامل مع التحركات الإثيوبية باعتبارها جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة مستفيدة من انشغال السودان بحربه الداخلية. في المقابل، تنظر أديس أبابا إلى الخطاب السوداني باعتباره محاولة لتصدير الأزمة الداخلية وإلقاء اللوم على أطراف خارجية، بينما تتهم دوائر إثيوبية الخرطوم بالحفاظ على قنوات تواصل مع مجموعات إثيوبية معارضة.
جيبوتي… وساطة لمنع الانفجار
أدركت جيبوتي، وفق محللين، أن التصعيد بين السودان وإثيوبيا يحمل مخاطر تتجاوز حدود البلدين، خاصة في ظل الهشاشة الأمنية التي يعيشها القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ولهذا جاءت الوساطة الجيبوتية أقرب إلى محاولة “منع الانفجار” لا البحث عن تسوية نهائية للأزمة. ويقول الباحث في شؤون القرن الإفريقي حسن إدريس: “جيبوتي تدرك أن أي صدام مباشر بين السودان وإثيوبيا ستكون له تداعيات كارثية على توازنات الإقليم، خصوصًا مع تشابك ملفات الأمن والمياه والهجرة والحدود”. وتشير معلومات متقاطعة إلى أن اللقاء شهد أجواء متوترة في بدايته، مع تبادل واضح للاتهامات، قبل أن ينتقل إلى نقاشات أمنية ركزت على خفض التصعيد وفتح قنوات اتصال غير معلنة.
الحرب السودانية تعيد رسم الاصطفافات
يرى محللون أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخليًا فقط، بل تحولت إلى عامل رئيسي في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في القرن الإفريقي. فإثيوبيا، التي تواجه تحديات داخلية معقدة بعد حرب تيغراي، تراقب بحذر أي تحركات قد تؤثر على توازناتها الداخلية أو الإقليمية، خصوصًا مع تنامي الحديث عن تقارب سوداني-إريتري خلال الفترة الأخيرة. وفي المقابل، تشعر الخرطوم بأن أديس أبابا تحاول استثمار حالة الانشغال السوداني لتوسيع نفوذها الإقليمي، سواء في ملف الحدود أو في معادلات البحر الأحمر وسد النهضة.
رغم أن ملف سد النهضة لم يكن مطروحًا بصورة مباشرة على طاولة لقاء جيبوتي، إلا أن مراقبين يرون أنه ظل حاضرًا في خلفية التوتر بين البلدين.
سد النهضة… الأزمة الصامتة
ورغم أن ملف سد النهضة لم يكن مطروحًا بصورة مباشرة على طاولة لقاء جيبوتي، إلا أن مراقبين يرون أنه ظل حاضرًا في خلفية التوتر بين البلدين. فإثيوبيا لا تزال تنظر إلى السودان باعتباره أقرب للموقف المصري في قضية السد، بينما تخشى الخرطوم من انعكاسات أي خطوات إثيوبية أحادية على أمنها المائي والاستراتيجي. ويقول الخبير السياسي الدكتور أحمد التجاني: “سد النهضة ليس مجرد ملف فني، بل أحد أبرز عناصر إعادة تشكيل النفوذ في حوض النيل، ولذلك يظل عاملًا مؤثرًا في أي توتر سوداني-إثيوبي”. زاد المشهد تعقيدًا مع تصاعد الحديث عن تحركات إقليمية تشمل إريتريا، التي تمر علاقتها مع إثيوبيا بمرحلة توتر مكتوم بعد انتهاء حرب تيغراي. وتنظر أديس أبابا بحذر إلى أي تقارب بين الخرطوم وأسمرة، معتبرة أن ذلك قد يؤثر على توازنات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
أزمة تتجاوز الحدود الثنائية
يرى خبراء أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بخلافات حدودية أو اتهامات أمنية، بل ترتبط بصراع أوسع حول النفوذ الإقليمي في منطقة تشهد تحولات متسارعة. فالقرن الإفريقي أصبح ساحة تنافس مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، في ظل تراجع الاستقرار الداخلي في عدد من دول المنطقة.
تهدئة مؤقتة أم انفجار مؤجل؟
رغم أجواء التهدئة الحذرة التي أعقبت لقاء جيبوتي، إلا أن مراقبين يستبعدون أن تكون الأزمة قد اقتربت من الحل النهائي. فالعوامل التي تغذي التوتر لا تزال قائمة: الحرب السودانية المستمرة. الهشاشة الداخلية في إثيوبيا. أزمة سد النهضة. التنافس الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ويرى محللون أن أي تهدئة حالية قد تكون مجرد “إدارة للأزمة” لا معالجة حقيقية لجذورها. تكشف دبلوماسية جيبوتي أن السودان وإثيوبيا يقفان اليوم عند مفترق حساس، حيث تختلط الحسابات الأمنية بالتحالفات الإقليمية والهواجس التاريخية. وفي ظل هذا التعقيد، تبدو العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا معلقة بين احتمالين: إما احتواء التوتر عبر تفاهمات هشة، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم توازنات القرن الإفريقي بالكامل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.