الإخوان في السودان.. حرب الاستنزاف والانقسام الداخلي.. هل دخل التنظيم أخطر مراحله منذ تأسيسه؟

تقرير عين الحقيقة

تشير تطورات المشهد السوداني إلى أن تنظيم الإخوان المسلمين في السودان يواجه واحدة من أعقد وأخطر مراحله منذ نشأته قبل عقود، في ظل استمرار الحرب للعام الرابع دون تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية التي راهنت عليها قيادات التنظيم مع اندلاع الصراع. وبحسب مراقبين، فإن الحرب التي كان يُنظر إليها داخل بعض دوائر الحركة الإسلامية باعتبارها فرصة لإعادة التموضع السياسي والعسكري، تحولت تدريجيًا إلى عامل استنزاف شامل، أضعف البنية التنظيمية، وعمّق الخلافات الداخلية، وأدخل التنظيم في أزمة وجودية غير مسبوقة.

الحرب الحالية، وفق مراقبين، دفعت التنظيم إلى الانخراط بصورة أعمق في الصراع العسكري، ما جعله يتحمل كلفة مباشرة على مستوى القيادات والكوادر والبنية المالية..

خسائر ميدانية متصاعدة

خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت التقارير عن خسائر كبيرة تعرضت لها تشكيلات مرتبطة بالحركة الإسلامية، خصوصًا المجموعات المقاتلة ذات الطابع التعبوي، وعلى رأسها “كتيبة البراء بن مالك”. وتحدثت مصادر ميدانية عن مواجهات عنيفة في مناطق متفرقة من كردفان ودارفور، كان أبرزها في منطقة أم صميمة، حيث تكبدت مجموعات مسلحة موالية للجيش، تضم عناصر مرتبطة بالتيار الإسلامي، خسائر بشرية وميدانية وصفت بأنها من الأكبر منذ بداية الحرب. ويرى محللون أن هذه الخسائر لم تعد مجرد انتكاسات عسكرية عابرة، بل بدأت تؤثر بصورة مباشرة على الروح المعنوية داخل المعسكر الإسلامي نفسه.

من “التمكين” إلى الاستنزاف

منذ سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، حاولت الحركة الإسلامية الحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا عبر شبكاتها داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية. لكن الحرب الحالية، وفق مراقبين، دفعت التنظيم إلى الانخراط بصورة أعمق في الصراع العسكري، ما جعله يتحمل كلفة مباشرة على مستوى القيادات والكوادر والبنية المالية. ويقول الباحث السياسي عبد الرحمن الطاهر: “الحركة الإسلامية دخلت الحرب وهي تراهن على استعادة النفوذ، لكنها وجدت نفسها في معركة استنزاف مفتوحة أضعفتها داخليًا وأثقلت كاهلها سياسيًا وعسكريًا”.

تصدعات داخلية وصراع أجنحة

تشير مصادر سياسية إلى تصاعد الخلافات داخل التيار الإسلامي حول إدارة المرحلة الحالية، خصوصًا مع تزايد الانتقادات للأداء العسكري والسياسي وغياب أفق واضح للحسم. وبحسب متابعين، برزت انقسامات بين تيارات تدعو إلى استمرار التصعيد العسكري باعتباره الخيار الوحيد للحفاظ على النفوذ، وأخرى ترى أن الحرب ألحقت ضررًا بالغًا بالتنظيم وأفقدته ما تبقى من شرعية شعبية. كما تتحدث تسريبات عن خلافات تتعلق بإدارة الموارد المالية والتنسيق مع بعض القيادات العسكرية داخل معسكر بورتسودان.

أزمة التجنيد والتعبئة

في بداية الحرب، اعتمدت المجموعات المرتبطة بالحركة الإسلامية على خطاب تعبوي وديني لحشد المقاتلين واستقطاب الأنصار، مستفيدة من شبكات التنظيم القديمة داخل الجامعات والمجتمعات المحلية. لكن مع طول أمد الحرب وارتفاع أعداد القتلى والخسائر، بدأت مؤشرات التراجع تظهر بوضوح، بحسب مراقبين، خصوصًا مع تزايد حالة الإنهاك الشعبي والاقتصادي. ويرى محللون أن قدرة التنظيم على التعبئة لم تعد كما كانت خلال الأشهر الأولى للحرب، في ظل اتساع دائرة السخط داخل قطاعات اجتماعية متضررة من استمرار القتال.

تآكل النفوذ الإقليمي

إلى جانب الضغوط الداخلية، يواجه التنظيم تحديات مرتبطة بتراجع هامش المناورة الإقليمية والدولية. فعدد من الدول التي كانت تُتهم سابقًا بالتسامح مع شبكات الإسلام السياسي أصبحت أكثر حذرًا في التعامل مع التنظيمات المرتبطة بالإخوان، خصوصًا في ظل تصاعد الخطاب الدولي المرتبط بمكافحة التطرف وتمويل الجماعات المسلحة. ويرى خبراء أن هذا التحول أضعف قدرة التنظيم على الحركة المالية والسياسية خارج السودان.

محللون: استمرار الحرب ساهم في تراجع صورة الحركة الإسلامية داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، خصوصًا مع تصاعد الخطاب الشعبي الرافض للحرب والباحث عن تسوية تنهي الانهيار الإنساني والاقتصادي.

“البراء”.. من التعبئة إلى الخسائر

برزت “كتيبة البراء بن مالك” خلال الحرب باعتبارها أحد أبرز الأذرع المقاتلة ذات الطابع الإسلامي، حيث لعبت دورًا بارزًا في الخطاب التعبوي والإسناد الميداني. لكن الكتيبة، بحسب تقارير ميدانية، تعرضت خلال الفترة الأخيرة لخسائر متزايدة في عدة محاور، الأمر الذي أثار نقاشات داخلية حول جدوى استمرار الاعتماد على التشكيلات المؤدلجة في حرب طويلة ومعقدة. كما يرى مراقبون أن ارتفاع الخسائر وسط هذه المجموعات قد يؤدي إلى مزيد من التوترات داخل البيئة التنظيمية المرتبطة بالحركة الإسلامية.

صورة التنظيم في الشارع السوداني

يعتقد محللون أن استمرار الحرب ساهم في تراجع صورة الحركة الإسلامية داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، خصوصًا مع تصاعد الخطاب الشعبي الرافض للحرب والباحث عن تسوية تنهي الانهيار الإنساني والاقتصادي. كما أن ارتباط بعض المجموعات الإسلامية بخطاب تعبوي متشدد زاد من حالة الاستقطاب، وأعاد إلى الواجهة الانتقادات المرتبطة بتجربة حكم الإسلاميين خلال العقود الماضية.

هل يواجه التنظيم لحظة مفصلية؟

يرى مراقبون أن الحركة الإسلامية في السودان تقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تحدد مستقبلها السياسي والتنظيمي لعقود قادمة. فبين خسائر الحرب، والانقسامات الداخلية، وتراجع الحضور الإقليمي، تبدو الجماعة أمام تحديات غير مسبوقة منذ تأسيسها. لكن في المقابل، يحذر بعض الباحثين من التقليل من قدرة التنظيم على إعادة التموضع، مستندين إلى خبرته الطويلة في العمل السري وبناء الشبكات داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

تكشف تطورات الحرب في السودان أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل أصبح أيضًا اختبارًا حاسمًا لمستقبل القوى السياسية والتنظيمات التي ظلت فاعلة في المشهد السوداني لعقود. وفي قلب هذا التحول، تبدو الحركة الإسلامية أمام واقع جديد يختلف جذريًا عن كل المراحل السابقة؛ واقع تتداخل فيه خسائر الميدان مع أزمات التنظيم وتآكل النفوذ، بينما يبقى السؤال مفتوحًا: هل يعيش الإخوان في السودان بداية أفول تاريخي، أم أنهم يستعدون لمرحلة جديدة من إعادة التشكل في الظل؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.