رحلة الفشل: حيث تصبح “حكومة الأمل” عنوانًا لانطفاء العشم

حسن عبد الرضي

لم يكن السودانيون بحاجة إلى كثير عناء ليكتشفوا أن ما سُمّي زورًا بـ“حكومة الأمل” ليس إلا واجهة أخرى لعجزٍ متراكم، وامتدادٍ باهت لسلطةٍ لا تملك من أمرها إلا الاسم.
لكن ما حدث في زيارة كامل إدريس إلى أوروبا – من الفاتيكان إلى إنجلترا، مرورًا بفضيحة أكسفورد – لم يكن مجرد إخفاق سياسي عابر، بل كان عرضًا فجًّا لما يمكن تسميته بـ“العواقة السياسية” في أكثر صورها انكشافًا.
وكامل إدريس، الذي جاء محمولًا على أكتاف الوهم، بدا كاملًا فقط في شيء واحد هو اكتمال النقص.
نقص في المروءة، نقص في الكياسة، نقص في الحد الأدنى من الحس الدبلوماسي الذي يُفترض أن يتحلى به من يتصدر واجهة دولة، حتى وإن كانت دولةً منكوبة.
من الفاتيكان إلى أكسفورد… مسار التيه
حين يذهب مسؤول إلى الفاتيكان، فإن ذلك يفترض حدًا أدنى من الاتزان والقدرة على تمثيل شعبٍ مثخن بالجراح.
لكن الزيارة التي وُصفت بالخرقاء لم تضف شيئًا سوى المزيد من التساؤلات: ماذا كان الهدف؟ وما الذي عاد به غير صورٍ بروتوكولية جوفاء؟
ثم جاءت محطة أكسفورد، المدينة التي ارتبط اسمها بالعلم والنقاش الحر، ومرتبطة بصرح أكاديمي عريق مثل جامعة أكسفورد.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذه المدينة نفسها تحولت – بفضل الوفد المرافق – إلى مسرحٍ لعنفٍ لفظي وجسدي، طال سودانيات خرجن فقط ليهتفن: “حرية، سلام، وعدالة”.
فأي مفارقة أكثر قسوة من أن يتحول “ركن نقاش” إلى ساحة اشتباك؟ وأي مهزلة أكبر من أن يُختزل حضور دولةٍ كاملة في فعالية حضرها عشرات، أكثرهم – بحسب الشهادات – من عناصر السفارة وأتباع النظام؟
العنف… حين يسافر مع الوفد
البيان الصادر عن لجنة الجالية السودانية بأكسفورد لم يكن مجرد إدانة عابرة، بل شهادة دامغة على ما حدث، اعتداءات، واستهداف للنساء، ومحاولات، بائسة، لإسكات الصوت الحر.
هذه ليست حادثة معزولة، بل امتداد طبيعي لسلوكٍ متجذر؛ سلوك لا يعرف الحوار، ولا يجيد إلا القمع، حتى وهو خارج حدوده.
كأنما السلطة حملت معها أدواتها القديمة، التخوين، والترهيب، ثم الضرب إن لزم الأمر.
والأخطر من ذلك، أن هذا العنف لم يكن في شارعٍ معتم في الخرطوم، بل في فضاء أكاديمي عالمي، حيث الكلمة تُقابل بالكلمة، لا باللكمة.
رئيس وزراء… أم شاهد صامت؟
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: أين كان كامل إدريس من كل هذا؟
على بُعد سنتيمترات – كما ورد في الشهادات – تُضرب سودانيات، وتُهانّ كرامتهن… والرجل الذي يفترض أنه “رئيس وزراء” يقف موقف المتفرج.
هنا لا يعود الحديث عن فشل سياسي، بل عن سقوط أخلاقي.
فأضعف الإيمان – حتى عند من لا يملك سلطة – هو أن يدين، أن يحتج، أن ينحاز للضحايا.
أما الصمت… فهو تواطؤ.
دبلوماسية “الركن”… وانكشاف الحجم الحقيقي
الزيارة إلى إنجلترا لم تكن – وفق ما تسرّب – زيارة رسمية مكتملة الأركان، بل محاولة يائسة لتصنيع حضورٍ سياسي من لا شيء.
دعوات أكاديمية محدودة، محاولات فاشلة للولوج إلى دوائر القرار، ورفض – أو عدم قبول – من جهات برلمانية لمنح الرجل منصة رسمية.
وبعبارة أوضح: تمت الرحلة، لكن لم تتحقق الزيارة.
وهنا تتجلى الكارثة في إنفاقٌ باذخ من مال شعبٍ منهك، مقابل عائد سياسي يقترب من الصفر، بل ربما ينزلق إلى السالب، بعد الفضيحة التي لاحقت الوفد.
“حكومة الأمل”… أم حكومة العوقة؟
ما حدث في أكسفورد لم يكن مجرد حادثة، بل لحظة كاشفة.
كشفت هشاشة الخطاب، وعجز القيادة، وعمق الأزمة الأخلاقية والسياسية.
إن “حكومة الأمل” التي قيل إنها ستعيد للسودانيين بعضًا من العشم، تحولت – في نظر كثيرين – إلى حكومة تُنقِع فيها الآمال حتى تتعفن.
وكامل إدريس، الذي حاول أن يكتب اسمه في سجل التاريخ كرئيس وزراء، وجد نفسه يكتب – دون أن يدري – فصلًا آخر في كتاب الخيبات.
الخلاصة: ذاكرة لا ترحم
التاريخ لا يُكتب بالبيانات الرسمية، ولا بالصور التذكارية، بل بالمواقف.
وما حدث في أكسفورد سيبقى شاهدًا على وفدٍ سافر ليجمّل صورة السلطة، فعاد بفضيحة.
وعلى رئيس وزراء وقف حيث كان يجب أن يتكلم، وسكت حيث كان يجب أن يغضب.
أما الشعوب… فلا تنسى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.