ليست البطولة أن يحمل الرجل بندقية فحسب، فكم من حاملٍ للسلاح كان أجوفَ الروح، ضيّق الأفق، يتقدّم بخطى المرتزقة لا بخطى المؤمنين بقضاياهم. البطولة الحقّة أن يجتمع في المرء ما ندر اجتماعه: بصيرة المفكر، وجسارة المقاتل، وكاريزما القائد، ونبل الإنسان. وتلك — في ظني — بعض السمات التي رأيتها في المك أبو شوتال؛ ذلك الرجل الذي عرفت فيه الرجولة قبل أن ألقاه، ثم ازددت يقينًا بها بعد اللقاء.
عرفته صاحب قضية لا صاحب صفقة، ورأيت فيه من الشجاعة ما لا يقل عن فصاحته في البيان. فإن كان بعض الرجال يُحسنون الخطابة ثم يتراجعون ساعة المحنة، أو يبرعون في الميدان ثم يعجزون عن التعبير عن معنى ما يقاتلون لأجله، فإن المك أبو شوتال من ذلك الطراز النادر الذي تتعانق فيه الكلمة مع الفعل، والفكرة مع البندقية، والوعي مع البسالة.
التقينا في مناسبة اجتماعية، وكان يومها يشكو آلامًا حادّة في ظهره بسبب إصابة الـ(disc)، لكنك وأنت تحدثه لا ترى رجلًا يئن من الوجع، بل ترى روحًا مستنفرة تستعجل العودة إلى الميدان، كأنما خُلقت للحركة لا للركون، وللنزال لا للاستراحة. أدركت حينها أن صاحب القضية الحقّة لا يعرف التواني ولا التهاون، وأن اليقين إذا استقر في القلب هانت معه الأوجاع والمخاطر، فلم يعد أمام المرء إلا خياران: شهادةٌ أو نصر.
ولعل ما يميز المك أبو شوتال أنه ليس من صنف الثوار الذين تدفعهم الغريزة أو الحماسة العمياء، بل من طراز الثوار الذين يحملون فكرًا ووعيًا ورؤية. أولئك الذين يمضون إلى المعركة بقلوب واعية لا يسكنها الوسواس ولا التردد. ولذلك أراه قريبًا — في تركيبته النفسية والرمزية — من نماذج تاريخية كبرى مثل فيديل كاسترو وتشي جيفارا، بل فيه شيء من روح ستيف بيكو؛ ذلك اليقين الحاد الذي لا يعرف الميوعة ولا أنصاف الحلول.
وإذا ذُكرت الشجاعة في الأزمنة التي يكثر فيها التردد ويتقاصر فيها الرجال، فلا غرو أن ينهض اسم المك أبو شوتال بين قومه كسيفٍ جُرِّد في وجه العاصفة. ففي الأيام الأولى لاشتعال الحرب، حين كان كثيرون يفتشون عن دروب النجاة ويتوارون خلف الجدران، كان هو يشق طريقه إلى قلب الخطر في الخرطوم ليلقي خطابه الشهير بطمأنينة من باع روحه للقضية، وأيقن أن أصحاب المواقف الكبرى لا يلوذون بالحيطان ساعة الفزع.
يومها بدا كأنه خارج من أسطورة قديمة من أساطير الفروسية السودانية؛ فارسٌ لا يساوم، ولا يلتفت خلفه، وكأنما كان محمد مفتاح الفيتوري يراه وهو يكتب:
يمشي إلى الهيجاءِ باسمًا لا يرى
في الموتِ إلا سلّمًا للمجدِ
ويشقُّ صفَّ الخائفين كأنّهُ
نسرٌ تحدّى العاصفاتِ بوحدِه
إن صاحَ في الميدانِ لبّتْ خيلهُ
وتراجعَ المرتابون خلفَ الوعدِ
ولأن الرجل بهذه المواصفات، فقد صار هدفًا طبيعيًا لمدفعية الدعاية الرخيصة. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تسعى الاستخبارات العسكرية إلى بث تسجيل مفبرك نُسب إليه، تسجيل ركيك الصنعة، متهافت اللغة، لا يشبه وعي الرجل ولا طلعته البطولية. فقد تفوّه التسجيل بعبارات عنصرية أقل بكثير من مستوى المك أبو شوتال الفكري، وأدنى من قدرته المعروفة على التعبير عن مواقفه بوضوح واتزان.
إنها ذات الأساليب العتيقة التي طالما أتقنتها الاستخبارات العسكرية؛ أساليب الوشاية وبذر الشقاق، وصناعة الريبة بين المكونات الاجتماعية، حتى يشتبك أبناء الهامش في خصوماتٍ صغيرة بينما تُسرق أوطانهم من تحت أرجلهم. فقد ظلّت تلك الأجهزة لعقود تُدير الفتن كما يدير محترفو الدسائس خيوط المؤامرات في العتمة، تؤجج النزاعات القبلية والخشم بيتية لتضمن دوام الهيمنة على الثروة والسلطة والوجدان.
غير أن مكرهم السيئ لم يعد يرتد على ضحايا الريف وحدهم، بل انقلب بركانًا في وجوههم أحرق الوطن بأسره، فإذا بالمركز الذي اعتاد إدارة الحرائق من بعيد يذوق وبال ما صنعته يداه بعد عقود من العبث بالنسيج السوداني وتأجيج الفتن على الأطراف. وما يزال كثير منهم حيارى أمام واقع جديد بدأ فيه الهامش يتحرر من الوصاية القديمة وأساليب التخويف البالية، ويراكم وعيًا سياسيًا واجتماعيًا لم تعد تنطلي عليه الحيل الأولى.
ومن هنا جاءت أهمية رد المك أبو شوتال على التسجيل المفبرك؛ إذ تحدث بوضوح الرجل الواثق من قضيته، لا بلسان طالب سلطة أو مال. أكد أنه ليس من أولئك الذين يستهويهم العرض الزائل، وأن المعركة بالنسبة إليه ليست مساومة على منصب أو نصيب، بل مشروع تحرير كامل من دولة المركز وهيمنتها السياسية والثقافية والاقتصادية.
والمك أبو شوتال ليس رجلًا طارئًا على التاريخ حتى يُشترى أو يُباع؛ فهو وارث إرثٍ تليد، وابن سلطنة سامقة هي سلطنة الفونج، تلك السلطنة التي مثّلت — في لحظة من لحظات التاريخ — صُرّة السودان الجامعة، ومركز تفاعله الحضاري والثقافي. ولذلك فإن حديثه عن تحرير النيل الأزرق، ومواصلة المعركة حتى اقتلاع دولة المركز، ليس حديث مغامرٍ منفلت، بل حديث رجل يرى نفسه امتدادًا لتاريخ طويل من المقاومة والسيادة.
ولعلّ ما جرى من انخذال بعض قادة الدعم السريع مؤخرًا يعيد إلى الذهن مشهدًا قديمًا من غزوة أحد حين انخذل عبد الله بن أبي بن سلول وانسحب بثلث الجيش، ظنًا منه أن التراجع يُسقط القضية أو يفتّ في عضد المؤمنين. غير أن التاريخ علّمنا أن القضايا الكبرى لا تنهزم بانسحاب المترددين المتوجسين، وأن المؤمنين الموقنين بنصر الله يمضون في طريقهم لا تحزنهم النائبات ولا تخيفهم النازلات ﴿وَيُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
ولعل هذا ما يجعل المك أبو شوتال — في نظر محبيه — أكثر من مجرد قائد ميداني؛ إنه صورة لذلك الرجل السوداني الذي يجمع بين نبل الكهول، وحكمة الشيوخ، وبراءة الأطفال، وصلابة المحاربين. رجلٌ إذا تحدث شعرت أن وراء الكلمات تجربة، وإذا قاتل شعرت أن وراء البندقية فكرة، وإذا اختلف معك أدركت أن الخصومة عنده موقف لا ضغينة.
وفي زمنٍ تكاثر فيه الصغار، وباتت فيه المواقف تُباع في أسواق السياسة بثمنٍ بخس، يصبح ظهور رجال من هذا الطراز حدثًا نادرًا يستحق التوقف عنده؛ لأن الأمم لا يصنعها الجبناء، ولا يحررها السماسرة، بل أولئك الذين يمضون إلى مصائرهم بقلوب مطمئنة، مؤمنين أن الطريق إلى الكرامة لا يُعبَّد إلا بالتضحيات.
وتلك من الخصال النادرة التي تذكّرني بذلك النموذج الإنساني الآسر الذي تجلّى في فيلم The Last Samurai؛ أي ، فلا تزيده المعارك غلظةً ولا تُفسد فيه القضايا الكبرى جوهر الإنسان. وفي ثقافتنا السودانية القديمة لُخِّص هذا المعنى بأبلغ مما تفعل الأفلام والروايات حين قالت: “فارسٌ في الحوبة، ودرويشٌ في النوبة”!
May 17, 2026
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.