السودان… وطنٌ ضيّعته النخب قبل أن تقتله الحروب ( 2 / 2 )

 عبدالعزيز أبوعاقلة

لكن المأساة السودانية لم تكن خطيئة نخب “المركز” وحده كما يحلو للبعض تبسيطها، لأن جزءًا من الكارثة أيضًا اتضح عمليا أن بعض نخب الهامش، بعد عقود طويلة من التهميش والظلم، لم تنجح هي الأخرى في تقديم نموذج أخلاقي أو سياسي مختلف حين اقتربت من السلطة أو السلاح أو النفوذ. وكأن العطب لم يكن جغرافيًا فقط، بل عطبًا أعمق تسلل إلى بنية الثقافة السياسية السودانية نفسها، والشخصية السودانية نفسها حتى صار كثير من الضحايا يحلمون فقط بتبديل مواقعهم مع جلاديهم، لا بتغيير شكل الدولة ذاتها.
لقد انتظر السودانيون طويلًا أن تنتج حركات الهامش مشروعًا جديدًا يختلف عن عقل المركز القديم، مشروعًا أكثر عدالة وإنسانية واتساعًا، لكن ما حدث في كثير من الأحيان كان إعادة إنتاج للأزمة نفسها بلغة مختلفة. فبعد رحيل د. جون قرنق، كشخصيّة تملك كاريزما سياسية ومشروع حقيقي لسودان جديد وقائد حقيقي للتغيير بدا واضحًا أن جزءًا معتبرًا من النخب التي ورثت المشهد افتقد الرؤية الكلية التي تتجاوز الغبن التاريخي والأنانية نحو بناء وطن جديد. تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بشكل الدولة والعدالة الاجتماعية والمواطنة، والنظره الكلية لبناء الدولة وصعد بدلًا عنها صراع الإثنيات المواقع والمناصب والأنانية والمحاصصات والانقسامات الصغيرة، حتى بدت بعض قوى الهامش وكأنها تسير تدريجيًا في الطريق نفسه الذي انتقدته لعقود طويلة لدى نخب الخرطوم.
وهنا تظهر الحقيقة الأكثر إيلامًا: أن الأنانية السياسية في السودان لم تعد حكرًا على نخبة بعينها، أو جغرافيا معينة بل تحولت إلى مرض عام. الجميع تقريبًا يتحدث باسم الجماهير وهو خارج السلطة، ثم ينسى تلك الجماهير لحظة الاقتراب من الكرسي. الجميع يرفع شعارات العدالة، لكنه يمارس الإقصاء حين يمتلك النفوذ. الجميع يلعن الاستبداد، لكنه يبني داخل تنظيمه الصغير نسخة مصغرة منه.
ولذلك فإن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع بين مركز وهامش، ولذا لابد ان نحتاج القراءة الجديدة لهذه النظرية وربما تحتاج الي تفكيك جديد وإسقاط من بعدها ما يسمي بالعقل الرعوي وغيرها. بل أزمة نخبة كاملة فشلت أخلاقيًا قبل أن تفشل سياسيًا.
وربما لهذا السبب يحتاج السودان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى دراسة اجتماعية ونفسية وسياسية وبنيوية عميقة لهذه النخب مجتمعة. ما الذي يجعل السياسي السوداني يتحول بهذه السرعة من معارض ثوري إلى حارس للوضع القديم؟ لماذا تذبل الشعارات لحظة الوصول إلى السلطة؟ لماذا تتكرر الخيانة نفسها في كل جيل تقريبًا؟ ولماذا يبدو الكرسي في السودان قادرًا على ابتلاع المبادئ والثوريين بهذه السهولة المرعبة؟
كان أنطونيو غرامشي يقول:
“الأزمة الحقيقية تحدث حين يعجز القديم عن الموت، ويعجز الجديد عن الولادة.”
ولعل هذه العبارة تختصر المأساة السودانية بدقة موجعة؛ فالنخب القديمة، رغم فشلها التاريخي، ما تزال تتمسك بالمشهد السياسي كأن البلاد ملكية خاصة، بينما يعجز الجديد حتى الآن عن تنظيم نفسه بما يكفي لانتزاع المستقبل من بين أيديها.
والمؤلم أن العلوم السياسية والاجتماعية السودانية نفسها لم تقترب بما يكفي من تفكيك هذا العطب البنيوي. فمعظم الكتابات ظلت أسيرة التوصيف السطحي للأزمات: انقلاب، حرب، أزمة اقتصادية، صراع نخب… لكنها نادرًا ما ذهبت إلى الجذر الأعمق: تكوين الشخصية السياسية السودانية نفسها، وكيف تشكل وعيها داخل بيئة مشبعة بالطائفية، والأبوية، والعنف الرمزي، واحتقار الاختلاف، والخوف المزمن من الديمقراطية الحقيقية.
لقد كتب فرانز فانون يومًا محذرًا من “البرجوازية الوطنية” في دول ما بعد الاستعمار، وقال إنها كثيرًا ما ترث موقع المستعمر بدل أن تهدم بنيته. وهذا بالضبط ما حدث في السودان إلى حد بعيد؛ إذ غادر المستعمر جغرافيًا، لكن كثيرًا من أدوات الهيمنة بقيت كما هي: مركز يحتكر القرار، ونخب مجتمعة ترى الشعب مادة للحشد لا شريكًا في الوطن.
إن كثيرًا من النخب السودانية، في المركز والهامش معًا، لا تؤمن فعليًا بالشعب إلا بوصفه وسيلة للوصول إلى السلطة. الجماهير عندهم مطلوبة في لحظة الهتاف فقط، أما حين يحين وقت القرار الحقيقي فإنها تُدفع خارج الغرفة المغلقة. ولهذا ظل السودانيون يخرجون إلى الشوارع بشجاعة مذهلة، ثم يعودون في كل مرة ليكتشفوا أن من تحدثوا باسمهم عقدوا صفقات جديدة فوق دمائهم.
ولعل انتفاضة ديسمبر كانت المثال الأكثر وضوحا و قسوة على ذلك. فقد خرج جيل كامل وهو يحلم بدولة مدنية حديثة، بوطن مختلف يتجاوز ميراث الفشل القديم، وقدم الشباب تضحيات هائلة لم يكن كثير من السياسيين التقليديين يحلمون بها أصلًا. لكن ما إن اقتربت بعض النخب من السلطة حتى بدأت تتراجع تدريجيًا عن شعارات الثورة نفسها، ثم دخلت في تلك الشراكة المرتبكة والقصيرة النظر مع المؤسسة العسكرية، وكأن شيئًا لم يتغير في العقل السياسي السوداني رغم كل الدماء التي سالت.
كانت تلك الشراكة، في جانب منها، تعبيرًا عن خوف النخب المدنية من الجماهير أكثر من خوفها من العسكر. ولهذا فضّلت التسويات السريعة على بناء انتقال ديمقراطي حقيقي، وظنت بسذاجة سياسية مؤلمة أنها تستطيع استخدام الجيش ثم السيطرة عليه لاحقًا. لكن التاريخ السوداني كان قد قال كلمته منذ عقود: كل شراكة غير واضحة مع العسكر تنتهي بابتلاع المدنيين لا بحماية الديمقراطية. وهكذا حدث الانقلاب، لا باعتباره حادثًا مفاجئًا، بل باعتباره النتيجة الطبيعية لعقل سياسي لم يتعلم شيئًا من تاريخه الطويل.
ومع ذلك، ربما يكون الأمل الحقيقي هذه المرة خارج النخب التقليدية كلها. فالأجيال الجديدة، رغم الإحباط الهائل والحروب والانكسارات، تبدو أقل ارتباطًا بالولاءات الضيقة وأقل خضوعًا لعبادة الزعيم، وأكثر حساسية تجاه قضايا العدالة والحرية والتنوع. وربما لهذا تخافها النخب القديمة جميعًا؛ والانتهازيين الجدد لأنها تدرك أن بقاءها مرهون ببقاء الوعي القديم نفسه.
لقد كانت ديسمبر ثوره عظيمة، رغم كل ما جرى بعدها، إعلانًا واضحًا بأن السودان لم يمت بعد. وأن هناك جيلًا جديدًا يحاول للمرة الأولى أن يسأل أسئلة مختلفة: كيف نبني دولة لا تُختطف؟ كيف نصنع جيشًا لا يحكم؟ كيف نحول التنوع من لعنة إلى قوة؟ وكيف يصبح الانتماء للوطن أكبر من الطائفة والحزب والقبيلة؟
كان هانا آرنت ترى أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يفقد قدرته على “البداية الجديدة”. وربما كانت مأساة السودان الطويلة هي محاولة مستمرة لقتل هذه القدرة داخل الناس، عبر الحروب الانقلابات العسكرية والقمع والفشل المتكرر. لكن الشعوب الحية، مهما تعثرت، تظل قادرة على اختراع بدايات أخرى.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على النخب التي استهلكها الفشل، بل على جيل جديد يمتلك شجاعة نقد الماضي دون حقد، والقدرة على تخيل وطن مختلف دون أوهام أيديولوجية قديمة. جيل يفهم أن الديمقراطية ليست شعارات موسمية، بل ثقافة يومية تبدأ من داخل الحزب والنقابة والجامعة والبيت نفسه. جيل يدرك أن الوطن لا يُبنى بالغلبة، بل بالاعتراف المتبادل والعدالة والمؤسسات.
إن أخطر ما فعلته النخب السودانية لم يكن فقط أنها فشلت في الحكم، بل أنها زرعت اليأس في نفوس الناس حتى صار كثيرون يظنون أن هذا الخراب قدر أبدي. لكن التاريخ الإنساني كله يقول إن الأمم لا تموت بسبب الحروب وحدها، بل تموت حين تستسلم للهزيمة الداخلية وتفقد قدرتها على الحلم.
ولهذا ربما تكون المهمة الأصعب أمام الشباب السوداني اليوم ليست فقط إسقاط الأنظمة، بل إسقاط العقل السياسي القديم نفسه؛ وأصنامه والانتهازيين الجدد ذلك العقل الذي أضاع الوطن طويلًا، قبل أن تأتي الحروب لتكمل ما بدأته النخب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.