تتزايد المخاوف الإقليمية والدولية من تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بالتزامن مع استمرار الحرب واتساع الانقسام السياسي والأمني في البلاد. وفي هذا السياق كشفت صحيفة Financial Times البريطانية عمّا وصفته بتغلغل متزايد للعناصر المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل مراكز القرار العسكري في بورتسودان، معتبرة أنّ هذا النفوذ أصبح مؤثراً في إدارة المعارك وتحديد اتجاهات السلطة الانتقالية.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الساحة السودانية إعادة تموضع لقوى سياسية وعسكرية ارتبطت سابقاً بنظام الرئيس المعزول عمر البشير، وسط اتهامات متكررة بعودة شبكات الإسلام السياسي إلى واجهة المشهد عبر التحالف مع الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع.
إعادة تموضع الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية
بحسب التقرير، فإنّ الحرب الحالية لم تُعد تشكيل موازين القوى العسكرية فحسب، بل فتحت المجال أيضاً أمام صعود تيارات كانت قد تراجعت بعد سقوط نظام البشير عام 2019. وتشير المعطيات إلى أنّ الجماعات المرتبطة بالإخوان استطاعت استثمار حالة الاستقطاب والانهيار الأمني لتعزيز حضورها داخل الوحدات القتالية، مستفيدة من علاقات تاريخية مع بعض القيادات العسكرية والأمنية.
ونقلت الصحيفة عن ضابط سابق في المخابرات العسكرية السودانية قوله إنّ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يتحرك ضمن هامش محدود بسبب الضغوط التي تمارسها مجموعات إسلامية متحالفة مع الجيش، بالتزامن مع محاولاته إقناع الأطراف الدولية بأنّ نفوذ هذه الجماعات ليس العامل الحاسم داخل المؤسسة العسكرية.
ويعكس هذا التصريح حجم التداخل بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات ذات الخلفية الإيديولوجية، وهو تداخل يعود إلى عقود من إعادة تشكيل الجيش السوداني على أسس سياسية خلال فترة حكم الحركة الإسلامية، حيث جرى دمج كوادر محسوبة على الإخوان داخل أجهزة الدولة والجيش والأمن، وهو ما أدى إلى بناء شبكة نفوذ ما تزال حاضرة حتى اليوم.
وفي واحدة من أبرز النقاط التي كشفها التقرير، أكد الضابط السابق أنّ عملية تجنيده داخل المؤسسة العسكرية تمّت على أساس الولاء العقائدي للحركة الإسلامية، وليس وفق المعايير العسكرية التقليدية، مشيراً إلى أنّ عدداً كبيراً من الضباط الذين تم استقطابهم في تلك المرحلة ما يزالون يشغلون مواقع مؤثرة ويقودون عمليات عسكرية حالياً.
مخاوف من تمدد النفوذ الإيراني وتصاعد دور الكتائب العقائدية
أشار التقرير إلى تصاعد دور التشكيلات القتالية ذات الخلفية الإسلامية، وعلى رأسها كتائب البراء بن مالك، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى أحد أبرز الأذرع العسكرية المساندة للجيش في معارك الخرطوم، بعد دمجها عملياً ضمن البنية العسكرية الرسمية.
ووفقاً للتقديرات الواردة، شارك آلاف المقاتلين المرتبطين بهذه التشكيلات في العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، وهو ما منح الجماعات الإسلامية نفوذاً ميدانياً متزايداً داخل المعادلة العسكرية، وأثار مخاوف إقليمية ودولية من عرقلة جهود التسوية السياسية وإعادة إنتاج نموذج الحكم المرتبط بفترة البشير.
وفي موازاة ذلك، عاد الحديث عن الدور الإيراني في السودان بعد سنوات من التراجع النسبي للعلاقات بين الخرطوم وطهران. وبحسب التقرير، استعادت إيران حضورها عبر تقديم دعم عسكري للجيش السوداني شمل طائرات مسيّرة وذخائر وتدريباً تقنياً لبعض الوحدات المرتبطة بالتيارات الإسلامية.
وتربط تقارير أمريكية بين الحرس الثوري الإيراني وبعض التشكيلات المقاتلة المتحالفة مع الجيش، خصوصاً كتائب البراء بن مالك، في وقت ترى فيه طهران الحرب السودانية فرصة لإعادة بناء نفوذها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويُحذّر خبراء من أنّ هذا التقاطع بين الإسلاميين السودانيين وإيران قد يفتح الباب أمام تحولات أوسع في المشهد الإقليمي، خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر وتأثير أيّ تصاعد للدور الإيراني على توازنات الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
صراع النفوذ داخل معسكر السلطة
تشير التقديرات السياسية إلى أنّ جزءاً من الصراع الجاري في السودان لا يرتبط فقط بالمواجهة العسكرية مع قوات الدعم السريع، بل يمتد أيضاً إلى إعادة توزيع النفوذ داخل معسكر السلطة نفسه، في ظل تنافس بين تيارات عسكرية وقوى إسلامية ومجموعات قبلية ومسلحة تسعى جميعها إلى تعزيز مواقعها في مرحلة ما بعد الحرب.
وتبدو الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية الأكثر تنظيماً مقارنة بغيرها، بحكم خبرتها الطويلة داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، إضافة إلى امتلاكها شبكات اقتصادية وإعلامية وسياسية تساعدها على إعادة التموضع رغم الضغوط والعقوبات.
وفي المقابل، تواجه هذه الجماعات تحديات متزايدة بسبب الانقسامات الداخلية والصورة السلبية المرتبطة بفترة حكم البشير، إذ ما تزال قطاعات واسعة من السودانيين تعتبر الحركة الإسلامية أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الحالية نتيجة السياسات التي اتبعتها خلال ثلاثة عقود من الحكم.
كما أنّ استمرار الحرب لفترة طويلة عزز حضور القوى العقائدية والتشكيلات المسلحة على حساب المؤسسات المدنية التقليدية، وهو ما يزيد من مخاطر ترسيخ نموذج الدولة العسكرية المرتبطة بجماعات إيديولوجية، ويضعف فرص بناء مؤسسات وطنية مستقلة.
وفي المحصلة، يكشف تقرير الصحيفة البريطانية عن تحولات عميقة داخل السودان، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أصبحت أيضاً ساحة لإعادة تشكيل النفوذ داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وسط تصاعد نفوذ الجماعات المرتبطة بالإخوان واستمرار تعقّد مسارات الحل السياسي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.