شريان باتجاه واحد: كيف تحوّلت الحدود السودانية إلى سوق للنهب؟

عبير حليل

في الوقت الذي يُقاسي فيه المواطن السوداني غلاء طاحناً وانهياراً في كل شيء، من الخبز إلى الدواء إلى قيمة الجنيه في جيبه، تسير قوافل الشاحنات عبر الحدود الشمالية في صمت مريب. تدخل محملةً بالبضائع، وتخرج محملةً بما هو أثمن: بالمواد الخام، بالثروات، بعصب الاقتصاد الوطني. لا رقيب يسأل، ولا حسيب يتوقف.

هذا المشهد ليس فوضى الحرب وحدها. إنه سياسة.

حين تسقط مؤسسات الدولة أو تتعطل، يُفترض أن يكون ذلك كارثة على الجميع. لكن التاريخ يُعلّمنا درساً مراً: غياب السيادة لا يعني غياب المستفيدين، بل يعني فقط تغيير هوياتهم.

ما يجري على الحدود الشمالية للسودان اليوم يُجسّد هذا الدرس بدقة مؤلمة. فبينما تنشغل البلاد بحرب مدمّرة وأزمة إنسانية غير مسبوقة، تحوّلت تلك الحدود إلى ما يشبه السوق المفتوحة، تجري فيها صفقات بلا وثائق جمركية واضحة، وبلا أطر قانونية صارمة، وبلا أي منطق اقتصادي يُنصف الطرف السوداني.

المفارقة الصارخة أن هذا “الغياب” ليس عجزاً إدارياً وليد الظروف، بل تشير كل المعطيات إلى أنه قرار، أو في أحسن الأحوال، تغاضٍ مُحسوب.

التقارير الميدانية تتحدث عن حركة تجارية متواصلة عبر الحدود الشمالية، غير أن ما يلفت النظر ليس حجم هذه الحركة، بل طبيعتها وتوجّهها. السلع المُصنّعة تدخل دون قيود تُذكر، أما ما يخرج فهو المواد الخام والثروات الأولية التي تُمثّل رصيد السودان للمستقبل. معادلة تجارية لا تتسم بالتبادل، بل تبدو أقرب إلى عملية استنزاف ممنهجة.

وما يُعمّق الجرح أن هذه الصفقات تجري في ظل تقارير عن توظيف العملة المحلية المتهالكة، بل وتدفق عملات مزيفة عبر هذه المنافذ ذاتها، في مشهد يُسهم مباشرة في مزيد من التآكل في قيمة الجنيه السوداني، وبالتالي في مزيد من الفقر يُلقى على كاهل المواطن الذي لم يختر هذه الحرب ولم يُصوّت عليها.

لكن لماذا يصمت المتحكمون في مفاصل القرار عن هذا النهب؟ الإجابة، على مرارتها، ليست معقّدة.

في منطق الحروب الأهلية وصراعات البقاء في السلطة، لا شيء مجاني. الدعم العسكري واللوجستي الإقليمي له ثمن، والسلاح والذخائر لها ثمن، وضمان استمرار الدعم الخارجي له ثمن. وحين تُصبح خزائن الدولة خاوية وشرعية السلطة موضع جدل، يُصبح الاقتصاد الوطني هو المادة الخام الوحيدة المتاحة للمقايضة.

بعبارة أخرى: صمت جنرالات بورتسودان عن هذا الاستنزاف ليس ضعفاً ولا إهمالاً، بل هو جزء من حسابات بقاء تضحّي بالاقتصاد الوطني وقوده لاستمرار آلة الحرب.

لا تحتمل هذه السطور ترف الحياد حين يتعلق الأمر بقوت شعب ومستقبل بلد. ما يجري ليس مجرد “ثغرات في منظومة الحرب”، بل هو نمط ممنهج لتحويل أزمة الشعب السوداني إلى رصيد تفاوضي لمن يُديرون الحرب، بصرف النظر عن انتمائهم.

والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً، وبصوت عالٍ، هو: حين تنتهي هذه الحرب يوماً ما، ماذا سيتبقى لملايين السودانيين الذين دفعوا ثمنها مرتين؛ مرة بدمائهم، ومرة بمستقبلهم الاقتصادي المنهوب على أبواب وطنهم؟

هذا هو السؤال الذي لا يجب أن يصمت.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.