( اضراب أساتذة الجامعات السودانية).. العودة إلى “منصة الثورة” وانتزاع الحقوق من هيمنة الإسلاميين
تقرير: عين الحقيقة
تتواصل أزمة التعليم العالي في السودان مع دخول الإضراب المفتوح لأساتذة الجامعات يومه الرابع والخمسين، وسط تصاعد حالة الغضب داخل الأوساط الأكاديمية بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، وتعطل صرف المستحقات المالية، واستمرار ما يصفه أكاديميون بـ“هيمنة الإسلاميين” على مؤسسات التعليم العالي والإدارة الجامعية.
ويأتي الإضراب في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أسوأ أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية، مع استمرار الحرب وتراجع الخدمات الأساسية وانهيار قطاعات حيوية، من بينها قطاع التعليم.
خلال سنوات حكم الاسلاميين تعرضت الجامعات السودانية لأضرار واسعة شملت تدمير البنية التحتية، وتعطل الدراسة، ونزوح آلاف الطلاب والأساتذة، إلى جانب انهيار البيئة الأكاديمية والإدارية.
الجامعات السودانية بين الحرب والانهيار
منذ اندلاع الحرب، تعرضت الجامعات السودانية لأضرار واسعة شملت تدمير البنية التحتية، وتعطل الدراسة، ونزوح آلاف الطلاب والأساتذة، إلى جانب انهيار البيئة الأكاديمية والإدارية. ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالظروف الاقتصادية، بل تعكس أيضاً تراكمات طويلة من التسييس والتدخلات الحزبية داخل مؤسسات التعليم العالي، خاصة خلال سنوات حكم الحركة الإسلامية ونظام الإنقاذ. ويقول أستاذ جامعي بجامعة الخرطوم ـ فضّل عدم ذكر اسمه ـ إن الأساتذة لم يعودوا يحتجون فقط على تدني الأجور، بل على “الانهيار الكامل لفكرة الجامعة كمؤسسة مستقلة”. وأضاف أن كثيراً من الأكاديميين يعتبرون أن الجامعات تحولت خلال العقود الماضية إلى ساحات للتمكين السياسي والأيديولوجي، ما أضعف استقلاليتها ودورها العلمي.
العودة إلى “منصة الثورة”
في المقابل، برزت خلال الأيام الأخيرة دعوات وسط تجمعات الأساتذة والناشطين للعودة إلى ما سُمّي بـ“منصة الثورة”، باعتبارها المسار الوحيد القادر على انتزاع الحقوق واستعادة استقلال الجامعات من قبضة القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية.
وترى هذه الأصوات أن الأزمة الحالية جزء من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها، وليس فقط بمطالب مهنية أو نقابية. وقال الباحث والأكاديمي الدكتور أحمد التجاني إن قطاع التعليم كان من أكثر القطاعات التي تعرضت للاختراق السياسي خلال عهد الإنقاذ، موضحاً أن الإسلاميين عملوا لسنوات على السيطرة على إدارات الجامعات والنقابات والمؤسسات الأكاديمية. وأضاف أن استعادة الجامعات لدورها الطبيعي يتطلب “تفكيك بنية التمكين” داخل مؤسسات التعليم العالي، وضمان استقلال القرار الأكاديمي بعيداً عن النفوذ الحزبي والأمني.
مطالب بتحسين الأوضاع المعيشية
ويطالب الأساتذة المضربون بتحسين الرواتب والأجور بما يتناسب مع الانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب صرف المتأخرات المالية وتوفير بيئة عمل مناسبة تسمح باستمرار العملية التعليمية.
كما يطالبون بإصلاحات إدارية وأكاديمية تضمن استقلال الجامعات وحماية الحريات النقابية، في ظل اتهامات متواصلة للسلطات بالتضييق على العمل النقابي والمهني. ويقول أعضاء في لجان الأساتذة إن استمرار الإضراب يعكس حجم الاحتقان داخل القطاع الأكاديمي، خاصة مع تجاهل السلطات للمطالب المتكررة وعدم وجود حلول واضحة للأزمة.
مع دخول الإضراب أسبوعه الثامن، تبدو أزمة الجامعات السودانية انعكاساً مباشراً للأزمة السياسية الأوسع التي تعيشها البلاد..
أزمة تهدد مستقبل التعليم
ويرى مختصون أن استمرار الإضراب والانهيار الذي يضرب قطاع التعليم العالي ستكون له آثار خطيرة على مستقبل البلاد، في ظل توقف الدراسة في عدد من الجامعات وتراجع العملية التعليمية والبحثية بصورة غير مسبوقة.
ويحذر خبراء من أن فقدان الكفاءات الأكاديمية وهجرة الأساتذة والطلاب إلى الخارج سيؤدي إلى إضعاف مؤسسات التعليم لعقود طويلة، ما يهدد فرص إعادة بناء الدولة بعد الحرب.
التعليم في قلب الصراع السياسي
ومع دخول الإضراب أسبوعه الثامن، تبدو أزمة الجامعات السودانية انعكاساً مباشراً للأزمة السياسية الأوسع التي تعيشها البلاد، حيث تتداخل المطالب المهنية مع الصراع حول مستقبل الدولة وطبيعة السلطة والنفوذ داخل المؤسسات. ويرى مراقبون أن الجامعات ظلت تاريخياً واحدة من أهم ساحات الحراك السياسي والفكري في السودان، وأن عودة الأساتذة والطلاب إلى خطاب الثورة والحقوق المدنية تعكس استمرار حالة الرفض الشعبي للحرب وللهيمنة السياسية والأيديولوجية على مؤسسات الدولة. وفي ظل غياب حلول قريبة، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة السودان على إنقاذ قطاعه التعليمي، في وقت تتآكل فيه مؤسسات الدولة تحت ضغط الحرب والانقسام والأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.