لم تعد آثار الحرب السودانية تقتصر على الدمار الداخلي والانهيار الاقتصادي والمأساة الإنسانية، بل بدأت تمتد بصورة واضحة إلى موقع السودان الخارجي وعلاقاته الدولية، في مشهد يكشف كيف تحولت الدولة نفسها إلى رهينة لصراعات النفوذ والأجندات الأيديولوجية داخل السلطة.
فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من جيوش أو موارد، بل أيضاً بمكانتها السياسية واحترامها الدبلوماسي وقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع العالم. وما يحدث اليوم للسودان يعكس تراجعاً خطيراً في هذه المكانة، نتيجة استمرار الحرب، وغياب الرؤية السياسية، وتصاعد نفوذ التيار الإسلامي داخل مؤسسات القرار.
الدولة السودانية تدفع حالياً فاتورة هذا التغلغل الإخواني من رصيد علاقاتها الخارجية، بعدما أصبح اسم السودان مرتبطاً في كثير من العواصم بالأزمات والانقسامات والصراعات الأيديولوجية، بدلاً من أن يكون مرتبطاً بمشروع دولة تسعى للاستقرار والسلام والانفتاح.
ولعل واحدة من أبرز الإشارات التي عكست حجم هذه العزلة الدبلوماسية، تمثلت مؤخراً في غياب الاستقبال الرسمي لرئيس وزراء حكومة بورتسودان، كاميل إدريس، خلال زيارته الأخيرة إلى أوروبا، في مشهد اعتبره مراقبون رسالة سياسية واضحة تعكس حجم التحفظ الدولي تجاه السلطة القائمة وطبيعة القوى المؤثرة داخلها.
فالعالم اليوم لا ينظر فقط إلى الوجوه الرسمية، بل إلى البنية الحقيقية التي تتحكم في القرار السياسي والعسكري. وهناك قناعة متزايدة لدى كثير من الأطراف الدولية بأن النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات السلطة في السودان لا يزال فاعلاً ومؤثراً، وأن الحرب الحالية منحت الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية فرصة لإعادة التموضع داخل الدولة.
هذه الصورة تضعف ثقة المجتمع الدولي في أي حديث عن انتقال سياسي أو إصلاح مؤسسي، لأن الدول الكبرى والمؤسسات الدولية تدرك أن المشكلة لا تتعلق بالأشخاص فقط، بل بالشبكات العميقة التي ما زالت تتحكم في مفاصل القرار، وتعيد إنتاج الأزمة كل مرة بصيغة جديدة.
لقد دفعت السودان ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية بسبب سياسات العزلة والصدام مع المجتمع الدولي، حين تحولت البلاد في عهد نظام الإنقاذ إلى ساحة للتوترات الإقليمية والحسابات الأيديولوجية. واليوم، يبدو أن البلاد مهددة بتكرار التجربة نفسها، ولكن في ظروف أكثر هشاشة وخطورة.
وفي عالم تحكمه المصالح والتحالفات الدولية، لا يمكن لدولة تعيش حرباً داخلية وانهياراً اقتصادياً أن تتحمل مزيداً من العزلة السياسية. السودان يحتاج اليوم إلى الانفتاح على العالم، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وجذب الدعم لإعادة الإعمار وإنقاذ الاقتصاد، لا إلى الدخول في صراعات أيديولوجية جديدة تعمّق أزمته.
كما أن استمرار النفوذ الإخواني داخل مؤسسات الدولة يبعث برسائل سلبية إلى الخارج، خاصة في ظل المخاوف الدولية من عودة التنظيمات الأيديولوجية إلى واجهة السلطة عبر الحرب والفوضى. وهذا ما يجعل كثيراً من العواصم تتعامل بحذر مع السلطة الحالية، وتراقب المشهد السوداني دون حماس حقيقي للانخراط الكامل.
لكن الأخطر من كل ذلك أن المواطن السوداني هو من يدفع الثمن في النهاية. فالعزلة الدبلوماسية ليست مجرد أزمة بروتوكول أو غياب استقبال رسمي، بل تعني تراجع فرص الاستثمار والدعم الدولي والمساعدات، وتعني أيضاً مزيداً من الضغوط الاقتصادية والمعيشية على شعب أنهكته الحرب.
إن السودان بحاجة اليوم إلى مشروع وطني جديد يعيد تعريف علاقته بالعالم، ويؤسس لدولة مدنية تحترم القانون والتعددية وتبتعد عن الهيمنة الأيديولوجية. فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات الوطنية والشرعية السياسية والاحترام الدولي.
وإذا أراد السودان الخروج من عزلته الحالية، فعليه أولاً أن يتحرر من الدولة التي تديرها الجماعات والتنظيمات، وأن يستعيد صورته كدولة وطنية تمثل جميع السودانيين، لا مشروعاً سياسياً ضيقاً يجر البلاد مرة أخرى نحو مزيد من الانقسام والعزلة والانهيار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.