انتماء 30% من الضباط الجدد لتيار الإخوان يعيد ملف “أدلجة المؤسسة العسكرية” إلى الواجهة
تقرير: عين الحقيقة
عاد ملف النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية السودانية إلى واجهة الجدل السياسي والأمني، بعد تداول تقارير ومعلومات تتحدث عن أن نسبة معتبرة من الضباط الجدد داخل الجيش السوداني تنتمي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تيار الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية، في تطور يعكس ـ بحسب مراقبين ـ استمرار تأثير شبكات “التمكين” التي تأسست خلال سنوات حكم الإنقاذ. وبحسب تقديرات متداولة وسط دوائر سياسية وعسكرية، فإن نحو 30% من الضباط الذين جرى استيعابهم أو تصعيدهم خلال السنوات الأخيرة يُنظر إليهم باعتبارهم قريبين من التيار الإسلامي أو متأثرين بخطابه الأيديولوجي، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية ودورها في أي عملية انتقال سياسي قادمة.
خبير: المؤسسة العسكرية السودانية شهدت خلال سنوات حكم الإنقاذ “عملية أدلجة ممنهجة”، هدفت إلى ضمان ولاء قطاعات واسعة من الضباط للمشروع الإسلامي.
إرث “الإنقاذ” داخل الجيش
ويرى محللون أن هذه المعطيات لا يمكن فصلها عن السياسات التي اتبعها نظام الرئيس المعزول عمر البشير طوال ثلاثة عقود، حيث عملت الحركة الإسلامية على إعادة تشكيل بنية الجيش والأجهزة الأمنية عبر سياسات الإحلال والتمكين وربط الترقيات والفرص العسكرية بمعايير الولاء السياسي والتنظيمي. الخبير العسكري اللواء المتقاعد عبدالله الصادق يقول إن المؤسسة العسكرية السودانية شهدت خلال سنوات حكم الإنقاذ “عملية أدلجة ممنهجة”، هدفت إلى ضمان ولاء قطاعات واسعة من الضباط للمشروع الإسلامي. وأوضح أن تلك السياسات لم تتوقف بالكامل بعد سقوط البشير في 2019، بسبب استمرار وجود شبكات النفوذ القديمة داخل مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية. وأضاف أن الحرب الحالية خلقت بيئة مواتية لعودة هذه الشبكات إلى الواجهة، مستفيدة من حالة الطوارئ والاستقطاب السياسي الحاد.
باحث سياسي: التيار الإسلامي يعتبر المعركة الحالية “معركة وجود”، ولذلك يسعى إلى تعزيز حضوره داخل الجيش لضمان التأثير على مستقبل السلطة في السودان.
الحرب تعيد الإسلاميين إلى المشهد
ومع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يرى مراقبون أن الإسلاميين نجحوا في استعادة جزء من نفوذهم داخل المؤسسة العسكرية، عبر تقديم أنفسهم كحاضنة تنظيمية وسياسية داعمة للجيش في مواجهة خصومه. ويقول الباحث السياسي محمد الفاتح عثمان إن التيار الإسلامي يعتبر المعركة الحالية “معركة وجود”، ولذلك يسعى إلى تعزيز حضوره داخل الجيش لضمان التأثير على مستقبل السلطة في السودان. وأشار إلى أن تصاعد حضور الضباط المحسوبين على الإسلاميين يثير قلق القوى المدنية، التي تخشى من إعادة إنتاج نموذج الحكم السابق بصورة جديدة تعتمد على التحالف بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات الأيديولوجية.
خبراء: تتزايد الدعوات داخل الأوساط المدنية والسياسية لإعادة هيكلة الجيش السوداني بما يضمن بناء مؤسسة قومية مهنية بعيدة عن الولاءات الحزبية والدينية.
مخاوف من تأثيرات طويلة المدى
ويرى مختصون أن استمرار التغلغل الأيديولوجي داخل الجيش قد يعقّد جهود إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية وقومية، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن الحاجة إلى إصلاحات أمنية وعسكرية شاملة ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية. الباحث في شؤون السلام والتحول الديمقراطي خالد يوسف يقول إن أخطر ما تواجهه الدولة السودانية حالياً هو تسييس المؤسسات السيادية، موضحاً أن الجيوش عندما تتحول إلى ساحات ولاء حزبي أو أيديولوجي تفقد تدريجياً قدرتها على أداء دورها الوطني المحايد. وأضاف أن أي انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان سيظل هشاً إذا لم تتم معالجة ملف النفوذ السياسي والتنظيمي داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
دعوات لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية
في المقابل، تتزايد الدعوات داخل الأوساط المدنية والسياسية لإعادة هيكلة الجيش السوداني بما يضمن بناء مؤسسة قومية مهنية بعيدة عن الولاءات الحزبية والدينية. وترى قوى سياسية أن الحرب الحالية كشفت حجم التداخل بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات السياسية، ما يستوجب مراجعة شاملة لسياسات التعيين والتأهيل والترقي داخل القوات المسلحة. كما يؤكد ناشطون أن بناء جيش وطني موحد يمثل أحد الشروط الأساسية لإنهاء دوامة الحروب والانقلابات التي عاشها السودان لعقود.
السودان أمام اختبار مصيري
ومع تعقّد المشهد العسكري والسياسي، تبدو قضية النفوذ الإسلامي داخل الجيش واحدة من أكثر الملفات حساسية في مستقبل السودان، خاصة مع تصاعد المخاوف من أن تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج مراكز القوة القديمة داخل الدولة. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة السودان على بناء مؤسسة عسكرية مهنية تعكس التنوع الوطني وتخضع للسلطة المدنية، بعيداً عن الاستقطاب الأيديولوجي والصراعات الحزبية التي ساهمت في إضعاف الدولة وتفكيك مؤسساتها على مدار العقود الماضية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.