الإثنين الماضي نشر موقع أفريكان إنتليجنس تقريراً بعنوان Abdel Fattah al-Burhan restructures his army عبد الفتاح البرهان يعيد هيكلة جيشه.
تناول فيه عملية إعادة هيكلة واسعة داخل القوات المسلحة السودانية يقودها قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة في بورتسودان عبد الفتاح البرهان.
التقرير أشار بوضوح إلى أن هذه القرارات تعكس إعادة ترتيب عميقة لمراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، في ظل الحرب المستمرة والتوازنات السياسية والعسكرية الجديدة التي فرضتها السنوات الأخيرة ولا يمكن النظر إلي هذه القرارات باعتبارها مجرد تعديلات إدارية عادية.
وبمزيد من التحليل والقراءة السياسية الأعمق لما يجري يتضح أن القضية في الحقيقة هي إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية بما يضمن تركيز القرار السياسي والعسكري في يد قائد الانقلاب مدعوماً بنفوذ متجذر لتيار الحركة الإسلامية داخل الدولة والجيش معاً وأبعد من مجرد الإختزال في إصلاح عسكري أو رفع كفاءة الجيش.
كذلك يثير توقيت تناول منصة أفريكان إنتليجنس لهذا الملف تساؤلات مهمة، خاصة أن معظم القرارات المرتبطة بإعادة هيكلة الجيش السوداني صدرت فعلياً خلال أبريل الماضي، بينما جاء نشر التقرير في 18 مايو 2026 أي بعد مرور أسابيع على تنفيذ التغييرات. وهذا التأخير لا يبدو عابراً بل يعكس على الأرجح أن المنصة لم تكن مهتمة فقط بإعلان القرارات نفسها وإنما بقراءة عميقة ومتأنيه لنتائجها السياسية والعسكرية بعد أن بدأت آثارها تظهر داخل بنية السلطة في بورتسودان. فمثل هذه المنصات الاستخباراتية والتحليلية عندما تتعامل عادة مع هذه النوعية من الأخبار تركز على ما وراءها من تحولات في موازين القوى وبالتأكيد تأثيراتها محليا وإقليميا. ويبدو أن ما لفت انتباهها الآن هو اتضاح الصورة الكاملة للمشهد في السودان بعد تراجع نفوذ بعض القيادات التقليدية – كالفريق أول شمس الدين كباشي – وصعود تيار أكثر قرباً من قائد الانقلاب والحركة الإسلامية، إلى جانب مؤشرات متزايدة على أن إعادة الهيكلة هي جزءاً من عملية أوسع لإعادة هندسة السلطة داخل الجيش والدولة معاً وليست مجرد إصلاح تنظيمي وهيكلة روتينية . كما أن التقرير جاء في لحظة بدأت فيها عواصم إقليمية ودولية تراقب بقلق تنامي نفوذ الإسلاميين داخل معسكر الجيش، وهو ما جعل هذه التغييرات تبدو ذات دلالات سياسية تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية السودانية نفسها.
قائد الانقلاب يعيد بناء سلطته
المراقب للمشهد منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 إبريل يلاحظ أن المؤسسة العسكرية تحولت تدريجياً من جيش يخوض معركة ميدانية إلى مركز السلطة الفعلي في البلاد. ومع تطاول أمد الحرب – في عامها الرابع – وتجذر نفوذ الجماعات الإسلامية المسلحة الإرهابية والحاضنة السياسية المرتبطة بالنظام الإسلامي، بدأت معركة أخرى تنمو داخل الجيش نفسه، حيث لابد من تدقيق من يملك القرار النهائي؟ ومن سيقود السودان بعد الحرب؟
للإجابة علي هذه الأسئلة لم يتأخر قائد الانقلاب كثيرا لتقديم إجابة واضحة عبر إجراءات إعادة الهيكلة الأخيرة.
فألغي بعض المناصب العليا وحجم أدوار قيادات مؤثرة – كالفريق أول شمس الدين كباشي – وإعادة توزيع السلطات داخل القيادة العامة للجيش و كلها خطوات تبدو مصممة بعناية لإلغاء أي مراكز قوة موازية، ومنع ظهور شخصيات يمكن أن تشكل بديلاً سياسياً أو عسكرياً في المستقبل.
فالبرهان يسعى بوضوح إلى بناء مؤسسة عسكرية تدين له بالولاء الكامل وتمنحه السيطرة المنفردة على القرار السياسي والعسكري بعيداً عن أي توازنات داخلية – سياسية أو قبلية – قد تحد من نفوذه أو تفرض عليه شراكة غير مرغوبة.
شمس الدين كباشي الرجل الذي دفع الثمن
ضمن أبرز الأسماء التي تأثرت بوضوح بهذه التغييرات دون أدني شك يبرز اسم الفريق أول شمس الدين كباشي، الذي كان يُنظر إليه خلال السنوات الماضية باعتباره أحد أكثر الأصوات ميلاً للحلول السياسية والتفاوضية داخل قيادة الجيش.
إن إبعاد كباشي أو تحجيم دوره يمكن فهمه باعتباره رسالة داخلية حاسمة وقاطعة لكل من يفكر في تقديم مقاربة مختلفة للحرب أو إدارة الدولة. ففي اللحظة التي اختار فيها قائد الانقلاب المضي نحو مزيد من التركيز السلطوي، أصبح وجود شخصيات ذات ثقل سياسي أو رؤية مختلفة – ولو بقدر قليل – عبئاً يجب التخلص منه علي الفور خصوصاً إذا كانت تلك الشخصيات تمتلك ظهيرا وسندا قبليا أو علاقات إقليمية أو حضوراً داخل المؤسسة العسكرية قد يسمح لها بلعب دور مستقل مستقبلاً.
ولذلك تحديداً دفع كباشي الثمن فادحا دون أدني شك ، فما جرى يعكس انتقال المؤسسة العسكرية من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة الولاءات إذ لم تعد الكفاءة أو الخبرة أو حتى التاريخ العسكري الطويل هي المعايير الحاسمة للبقاء داخل دائرة القرار، بل أصبح المعيار الحقيقي هو الانسجام الكامل مع المشروع السياسي والعسكري الذي يتشكل حالياً حول قائد الانقلاب وحلفائه من الإسلاميين.
صعود التيار الأكثر تشدداً
يبدو جليا أن الاتجاه الغالب داخل السلطة هو ترسيخ منطق الحسم الأمني والعسكري، حتى ولو أدى ذلك إلى إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسام داخل البلاد.
تكليف شخصيات عسكرية توصف بالتشدد والحسم العسكري ضمن التعيينات الجديدة وبالأخص الفريق أول ياسر العطا كرئيس لهيئة الأركان ، تشير إلى أن قائد الانقلاب يتجه نحو إغلاق الباب أمام أي مسار سياسي حقيقي، وبدلاً من الدفع نحو تسوية تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة، وبدلاً من بناء جيش وطني متوازن يقود السودان نحو الاستقرار تبدو المؤسسة العسكرية وكأنها تُعاد صياغتها لتصبح أداة لحماية سلطة مركزية ضيقة مرتبطة بتوجيهات ورؤية التيار الإسلامي الذي عاد الظهور العلني تدريجياً إلى قلب المشهد بعد سنوات من التراجع عقب الإطاحة برأس النظام فقط. وهذا التحول يثير مخاوف واسعة من أن الجيش يتحرك باعتباره حارساً لمشروع سياسي وأيديولوجي محدد وأبعد ما يكون عن كونه مؤسسة قومية جامعة لكل السودانيين.
حكم الفرد من جديد
القلق الحقيقي الان يتعلق بطبيعة الدولة التي يجري تشكيلها تحت غطاء الحرب. فكل المؤشرات الحالية توحي بأن السودان يتحرك بخطي متسارعة للغاية نحو نموذج أكثر انغلاقاً، تُتركز فيه السلطة بيد قائد الانقلاب بينما يتم تضييق المساحات أمام أي أصوات مختلفة داخل المؤسسة العسكرية أو المجال السياسي العام.
كما أن تصاعد نفوذ الإسلاميين داخل مفاصل القرار بالتزامن مع تراجع الحديث الجاد عن الانتقال المدني والديمقراطي يجعل كثيرين يشعرون بأن البلاد تعود بأسرع مما هو متوقع إلى الحلقة نفسها التي ثار السودانيون ضدها قبل سنوات. وفي ظل هذا المشهد تصبح الحرب نفسها وسيلة لإعادة إنتاج السلطة وترتيب موازين النفوذ لا مجرد معركة عسكرية لها نهاية واضحة.
المصير القادم
إن جموع الشعب السوداني الذي خرج في 18 ديسمبر 2018 في كل مدن السودان مطالبين بدولة مدنية وديمقراطية معتصمين أمام بوابة قيادة الجيش الذي ظنوا أنه محايد وينحاز إلي مطالب الشعب العادلة يجدون أنفسهم اليوم أمام مشهد بالغ الخطورة؛ جيش يعاد تثبيت تشكيله على أساس الولاء السياسي والأيديولوجي الصارم ودولة تتآكل مؤسساتها تحت ضغط الحرب والاستقطاب وسلطة تزداد انغلاقاً مع كل خطوة جديدة.
إن ما يحدث الآن هو في حقيقة الأمر إعادة رسم لمستقبل السودان ككل وتعدي كونه مجرد [إعادة هيكلة] عسكرية. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني وطني على نفسه اليوم هو ما إذا كان هذا المسار سيقود البلاد فعلاً إلى الاستقرار أم أنه يدفعها نحو نسخة جديدة من الحكم الفردي المغلق ولكن بوجوه وشعارات مختلفة.
لقد أثبت التاريخ السوداني مراراً أن احتكار السلطة مهما بدا قوياً في بدايته يقود في النهاية إلى مزيد من الانقسام والأزمات. ولهذا فإن أخطر ما في هذه المرحلة إضافة إلي الحرب الدائرة في الميدان هي الحرب التي تُخاض بصمت داخل مؤسسات الدولة نفسها، حيث يجري الصراع على من يملك السودان ومن يقرر مستقبله ومن يحتكر السلطة باسمه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.