غداً العيد… والسودانيون خارج فرحتهم

عين الحقيقة

يحل عيد الأضحى هذا العام على السودانيين في وقت لا يشبه الأعياد، ولا يشبه السودان الذي عرفه أهله قبل أن تبتلعه الحرب. فبينما يستقبل المسلمون هذه المناسبة المباركة بالتكبيرات وصلة الأرحام وطقوس الفرح، يستقبلها ملايين السودانيين من خلف أسوار النزوح واللجوء، أو تحت وطأة الخوف والفقد وعدم اليقين.

ويأتي العيد فيما تدخل الحرب عامها الرابع، بلا سلام يلوح في الأفق، ولا تسوية سياسية تضع حداً لمعاناة الملايين من النازحين واللاجئين والمتضررين من الصراع. وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لا يزال السودانيون يعيشون واحدة من أقسى المآسي في تاريخهم الحديث.

حرب طويلة لم تكتفِ بحصد الأرواح وتدمير المدن، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وانتزعت من الناس إحساسهم بالأمان، وحرمت أجيالاً كاملة من أبسط حقوقها في الاستقرار والتعليم والحياة الطبيعية.

غداً سيأتي العيد على آلاف الأسر وهي بعيدة عن منازلها التي تركتها مُكرهة. سيحل على أمهات فقدن أبناءهن، وعلى أطفال لم يعودوا يعرفون معنى أن يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة. وسيأتي على رجال ونساء كانوا بالأمس أصحاب أعمال وبيوت ومجتمعات مستقرة، فأصبحوا اليوم ينتظرون مساعدات إنسانية أو فرصة للعودة إلى حياة فقدوها دون إرادتهم.

في المخيمات الممتدة داخل السودان وخارجه، وفي مدن اللجوء التي استقبلت السودانيين في شرق أفريقيا والعالم العربي، سيحاول الناس أن يمنحوا أبناءهم شيئاً من إحساس العيد. سيبحثون عن أسباب صغيرة للابتسام، رغم أن الواقع من حولهم يفيض بالحزن والأسئلة المفتوحة على المجهول.

وفي الوقت الذي تتسع فيه دائرة المعاناة الإنسانية، لا تزال أصوات تدفع باتجاه استمرار الحرب، وكأن حجم الخراب الذي أصاب البلاد لم يكن كافياً. فما الذي يمكن أن تكسبه أطراف الحرب، ولا سيما الحركة الإسلامية بكتائبها ومليشياتها، بعد كل هذا الدمار؟ وما القيمة السياسية أو العسكرية التي يمكن أن تعادل وطناً ممزقاً وملايين المواطنين الذين فقدوا بيوتهم وأمنهم ومستقبلهم؟

لقد أثبتت هذه الحرب أن الخاسر الأكبر لم يكن طرفاً سياسياً أو عسكرياً بعينه، وإنما السودان نفسه. خسر اقتصاده، وخسر بنيته التحتية، وخسر جزءاً كبيراً من نسيجه الاجتماعي، وخسر، قبل ذلك كله، أرواح أبنائه الذين وجدوا أنفسهم وقوداً لصراع لم يحقق لهم سوى المزيد من المآسي.

وفي هذا العيد، تبدو الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من التعبئة للحرب، بل إلى شجاعة سياسية وأخلاقية تضع حياة المواطنين فوق الحسابات الأيديولوجية والعسكرية. ويحتاج إلى أصوات تدافع عن السلام بالقدر الذي دافع فيه الآخرون عن استمرار القتال.

ورغم كل ما حدث، ما يزال السودانيون يحتفظون بقدرتهم المدهشة على الأمل. ذلك الأمل الذي يظهر في إصرار الأسر على التماسك، وفي تمسك اللاجئين بحلم العودة، وفي إيمان الملايين بأن هذه المحنة، مهما طالت، لا يمكن أن تكون قدراً دائماً.

غداً العيد، لكن السودان ليس في عيد. ملايين القلوب معلقة بوقف الحرب أكثر من تعلقها بأي مناسبة أخرى. وملايين السودانيين لا يطلبون انتصار طرف على آخر، بقدر ما يتطلعون إلى انتصار الوطن على أزمته، وانتصار الحياة على الموت، وانتصار السلام على أصوات البنادق.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى العيد مناسبة تختلط فيها التكبيرات بالدعاء، والفرحة بالحنين، والأمل بالألم. وسيبقى السؤال الذي يطرحه السودانيون في كل مكان: كم عيداً آخر يجب أن يمر قبل أن يستعيد السودان حقه في السلام؟.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.