بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع واحدة من أشد الحروب الأهلية وطأةً في العالم، يتصاعد الجدل حول طرف يفضل العمل من الظل لكنه بات يكشف عن نفسه بنفسه: الحركة الإسلامية السودانية، الجماعة التي حكمت البلاد ثلاثة عقود، وفقدت السلطة عام 2019، وتسعى اليوم — وفق مراقبين ومحللين وتصريحات قياداتها ذاتها — إلى استعادتها عبر بوابة الحرب.
الجذور — من الطلاب إلى الانقلاب
يعود حضور الإخوان في نظام الحكم السوداني إلى مراحل مبكرة من تاريخ البلاد؛ إذ تمكّن التنظيم، منذ خمسينيات القرن الماضي، من بناء قاعدة سياسية واجتماعية تمدد تأثيرها داخل مؤسسات الدولة، إلى أن بلغ ذروته بالاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989.
كان الدافع وراء انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 مزدوجاً: من ناحية، تخوف الإسلاميون من إجهاض التوجه نحو تطبيق الشريعة، ومن ناحية أخرى استشعروا أن إقصاءهم عن اللعبة الديمقراطية باستخدام القوات المسلحة كان وشيكاً.-
وقد قام الإسلاميون بأول انقلاب عسكري في المنطقة وظلوا متمسكين بالسلطة طوال ثلاثة عقود.
مشروع التمكين — دولة داخل الدولة
لم يكتفِ الإسلاميون بالإمساك بمقاليد السلطة السياسية، بل نفذوا ما بات يُعرف بـ”مشروع التمكين”، وهو استراتيجية ممنهجة لاختراق مؤسسات الدولة بعمق.
تحولت الحركة من تيار طلابي نخبوي إلى قوة سياسية واقتصادية هائلة تحت قيادة الدكتور حسن الترابي، الذي أرسى استراتيجية “التمكين” لاختراق مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد سيطروا على النقابات ووسائل الإعلام والمنظمات الاجتماعية. كان مشروع “التمكين” أكثر من مجرد توطيد سياسي؛ لقد كان استراتيجية متعمدة لإنشاء “دولة موازية” موالية للحزب، مما أدى فعلياً إلى تفريغ المؤسسات الرسمية من مضمونها.
وتعززت هذه الصورة بتصريحات لقيادات بارزة في الحركة الإسلامية تؤكد تحكمهم في دوائر صنع القرار. ومن أبرزها تصريحات مفتي الحركة الإسلامية الشيخ عبدالحي يوسف، الذي أكد وجود الجماعة في كل مفاصل الدولة، بما في ذلك مكتب قائد الجيش.
سقوط البشير — خسارة الرأس دون تفكيك الجسد
حين اندلعت ثورة ديسمبر 2018 وأسقطت البشير في أبريل 2019، لم تنهِ حقبة الحركة الإسلامية بالمعنى الكامل.
هذا التغلغل العميق هو السبب الرئيسي لاستمرار نفوذ الحركة بعد إزاحتها رسمياً عن السلطة في عام 2019. ويرى العديد من المحللين أن البرهان، على الرغم من محاولاته النأي بنفسه عن الإسلاميين، ظل رهينة لتأثيرهم داخل المؤسسة العسكرية.
فقدان السلطة لم يكن من السهل أن تتقبله جماعة ظلت ممسكة بمفاصل الدولة وامتيازاتها حصرياً على مدى ثلاثة عقود.
حرب أبريل 2023 — العودة عبر بوابة النار
مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في الخامس عشر من أبريل 2023، أُتيحت للحركة الإسلامية الفرصة التي انتظرتها.
قيادات بارزة في الحركة الإسلامية أُلقي القبض عليها بعد سقوط نظام البشير، ثم خرجت من السجون بعد اشتعال الحرب في 15 أبريل 2023.
شكّلت فترة الحرب فرصة للإسلاميين للسعي نحو مزيد من التوحد والالتفاف حول الجيش الوطني، وقد تطوع عدد كبير منهم للعمل مع الجيش في مواجهة ما وصفوه بـ”التمرد”.
من أبرز هذه التشكيلات “كتيبة البراء بن مالك”، التي وُصفت بأنها وحدة قتالية نخبوية مرتبطة بالإخوان المسلمين، وتم دمجها رسمياً داخل الجيش السوداني. ولعبت الكتيبة دوراً بارزاً في العمليات العسكرية التي انتهت باستعادة الخرطوم من قبضة قوات الدعم السريع. [وقد تعهد الإسلاميون آنذاك بألا يسمحوا بمرور الاتفاق الإطاري الذي كان من المفترض أن يوقعه الجيش قبيل اندلاع الحرب بأيام، في إشارة صريحة إلى أن الحرب جاءت في توقيت يخدم أجندة إعاقة التحول الديمقراطي. [
نحن من ندير الحرب” — اعترافات من داخل الحركة
إثر نفي البرهان وجود عناصر من الإخوان المسلمين أو كوادر الحركة ضمن قواته، ردّ الإسلاميون بسلسلة تسجيلات وفيديوهات تؤكد مشاركتهم المباشرة، بل وتؤكد أنهم “اليد العليا” في القتال. وقال أحمد عباس، والي سنار الأسبق في عهد البشير: “من يديرون الحرب الآن هم الحركة الإسلامية، وإن 75% من المقاتلين الذين يقاتلون مع البرهان هم من الحركة الإسلامية.”
تنطلق تحليلات عديدة من فرضية مفادها أن الصراع السوداني الراهن لا يمكن فهمه بمعزل عن محاولات الحركة الإسلامية إعادة هندسة نفوذها داخل الدولة، عبر التأثير غير المباشر في المؤسسة العسكرية، وتوظيف البنى الأيديولوجية والسلطوية التي راكمتها خلال عقود من مشروع “التمكين الإسلامي
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.