حرب السودان.. من مصلحة من؟ بينما يدفع المواطن الثمن الأكبر، تتعدد الجهات المستفيدة من استمرار الصراع
تقرير: عين الحقيقة
دخلت الحرب السودانية عامها الرابع، مخلفة واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وسط ملايين النازحين واللاجئين، وانهيار واسع في الخدمات الأساسية، وتراجع غير مسبوق في مؤشرات الاقتصاد والتعليم والصحة. ومع استمرار القتال دون أفق واضح للحسم العسكري أو التسوية السياسية، يزداد حضور سؤال بات يتردد على ألسنة السودانيين: من المستفيد من استمرار الحرب؟
يرى محللون أن الحروب الطويلة تخلق دائماً شبكات مصالح تستفيد من استمرارها. فكلما طال أمد الصراع، برزت مجموعات جديدة ارتبط نفوذها بظروف الحرب أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة أو الاستقرار.
المواطن.. الخاسر الأكبر
لا يختلف اثنان على أن المواطن السوداني هو الطرف الأكثر تضرراً من الحرب. فقد فقد الملايين منازلهم ومصادر دخلهم، وتوقفت عجلة الإنتاج في مناطق واسعة من البلاد، فيما انهارت قطاعات حيوية كانت تشكل العمود الفقري للحياة اليومية. كما أدى الصراع إلى تعطيل العملية التعليمية وإغلاق مئات المرافق الصحية، بينما أصبحت المساعدات الإنسانية شريان الحياة الوحيد لكثير من الأسر التي وجدت نفسها في مواجهة الجوع والنزوح وانعدام الأمن.
أمراء الحرب ومكاسب النفوذ
يرى محللون أن الحروب الطويلة تخلق دائماً شبكات مصالح تستفيد من استمرارها. فكلما طال أمد الصراع، برزت مجموعات جديدة ارتبط نفوذها بظروف الحرب أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة أو الاستقرار. وتشمل هذه المصالح السيطرة على الموارد المحلية، والتحكم في طرق التجارة والنقل، والاستفادة من اقتصاد الحرب الذي ينشط عادة في البيئات المضطربة. كما أن استمرار المواجهات يمنح بعض الأطراف فرصة للحفاظ على مواقعها ونفوذها السياسي والعسكري.
القوى السياسية وحسابات المستقبل
يعتقد مراقبون أن بعض القوى السياسية تنظر إلى الحرب من زاوية موازين القوى التي ستنتج عنها. فكل طرف يسعى إلى تحسين موقعه في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، سواء عبر النفوذ العسكري أو التحالفات أو الحضور على الأرض. وفي ظل غياب توافق وطني شامل، أصبحت الحرب بالنسبة لبعض الأطراف ساحة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية السودانية، بدلاً من كونها مجرد مواجهة عسكرية.
الاقتصاد الموازي يزدهر
في المقابل، ازدهرت أنشطة اقتصادية مرتبطة بالحرب، تشمل التهريب والسوق السوداء وتجارة السلع النادرة والوقود والعملات الأجنبية. ويشير اقتصاديون إلى أن بعض الشبكات التجارية تحقق أرباحاً كبيرة في أوقات الأزمات، مستفيدة من ضعف الرقابة وغياب مؤسسات الدولة وتراجع النشاط الاقتصادي المنظم. وبينما تتآكل دخول المواطنين وتتراجع قدرتهم الشرائية، تظهر فئات محدودة تمكنت من بناء ثروات كبيرة مستفيدة من ظروف الحرب وتعقيداتها.
التدخلات الخارجية
كما لا يمكن فصل الحرب السودانية عن المصالح الإقليمية والدولية المتشابكة. فالسودان يتمتع بموقع استراتيجي مهم وموارد طبيعية كبيرة، ما يجعله محل اهتمام من قوى متعددة تسعى إلى حماية مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية. ويرى خبراء أن تعدد الأجندات الخارجية وتضارب المصالح الإقليمية أسهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها، عبر دعم أطراف مختلفة أو محاولة التأثير في مسارات الصراع والتفاوض.
يبدو السلام هو الطرف الأكثر غياباً عن المشهد. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الضحايا والدمار والانقسام الاجتماعي.
السلام.. الخاسر الغائب
في خضم هذه الحسابات، يبدو السلام هو الطرف الأكثر غياباً عن المشهد. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الضحايا والدمار والانقسام الاجتماعي. ويحذر ناشطون وخبراء من أن استمرار الصراع لا يهدد الحاضر فقط، بل يهدد مستقبل السودان لعقود قادمة، خاصة مع تنامي النزاعات المحلية وانتشار السلاح وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع.
السؤال الأهم
ربما تختلف الإجابات حول الجهات التي تستفيد من استمرار الحرب، لكن هناك حقيقة يكاد يجمع عليها السودانيون: أن المواطن العادي ليس من بينها. فبينما تتصارع القوى المختلفة على النفوذ والسلطة والمصالح، يواصل ملايين السودانيين دفع الثمن من أمنهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم. ولذلك يبقى التحدي الأكبر أمام البلاد هو الانتقال من منطق الحرب إلى منطق السلام، ومن حسابات المكاسب الضيقة إلى مشروع وطني يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار. فالحروب قد تخلق رابحين مؤقتين، لكنها تترك أوطاناً خاسرة. والسودان اليوم في حاجة إلى إنهاء دائرة الصراع أكثر من حاجته إلى تحديد المنتصر فيها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.