الكهرباء المقطوعة.. جحيم يومي يطارد سكان الخرطوم

تيسير المبارك

لم تعد أزمة الكهرباء في ولاية الخرطوم مجرد مشكلة خدمية عابرة يمكن للمواطنين التكيف معها أو انتظار انفراجها في وقت لاحق. لقد تحولت إلى معاناة يومية تثقل كاهل الأسر، وتضيف طبقة جديدة من الألم إلى حياة أنهكتها الحرب والنزوح وارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات الأساسية.
في أحياء الخرطوم المختلفة، يستيقظ المواطنون وينامون على وقع انقطاعات الكهرباء الطويلة. ساعات تمتد أحياناً إلى يوم كامل أو أكثر، دون أن يعرف الناس متى يعود التيار أو متى ينقطع مجدداً. وبين هذا وذاك، تتعطل تفاصيل الحياة الصغيرة التي أصبحت بالنسبة للكثيرين معركة يومية من أجل البقاء.
لكن أكثر المتضررين من هذه الأزمة ليسوا أصحاب المتاجر أو المصانع فحسب، بل المرضى وكبار السن والأطفال. فالمريض الذي يعتمد على أجهزة طبية منزلية يجد نفسه في مواجهة خطر حقيقي كلما انقطعت الكهرباء. والأدوية التي تحتاج إلى التبريد تفقد صلاحيتها، بينما يعجز كثير من المرضى عن الحصول على الحد الأدنى من الرعاية في ظل تدهور الخدمات الصحية أصلاً.
أما الأسر التي عادت إلى الخرطوم بعد شهور طويلة من النزوح، فقد وجدت نفسها أمام واقع أكثر قسوة مما توقعت. فالكهرباء ليست مجرد وسيلة للإنارة، بل هي شريان الحياة الذي تعتمد عليه المياه والاتصالات وحفظ الأغذية وتشغيل المرافق الأساسية. وعندما يغيب هذا الشريان، تتحول الحياة إلى سلسلة متواصلة من الأزمات.
في ليالي الصيف الحارة، تصبح المنازل أشبه بأفران مغلقة. الأطفال يبكون من شدة الحر، وكبار السن يعانون من الإرهاق وضيق التنفس، بينما تقضي الأسر ساعات طويلة في الظلام تنتظر عودة التيار دون جدوى. وفي كثير من الأحيان، تفسد المواد الغذائية القليلة التي تمكنت العائلات من توفيرها، لتضاف خسارة جديدة إلى قائمة طويلة من المعاناة.
ولا تقل معاناة أصحاب الأعمال الصغيرة عن ذلك. فالحلاقون والخبازون وأصحاب الورش والمحال التجارية يعتمدون بصورة أساسية على الكهرباء في كسب أرزاقهم. وكل ساعة انقطاع تعني دخلاً مفقوداً وخسائر إضافية في وقت يواجه فيه المواطنون أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة.
الأمر الأكثر إيلاماً أن المواطنين لا يطالبون اليوم بخدمات رفاهية أو مشاريع ضخمة، بل يطالبون بحق أساسي من حقوق الحياة الحديثة. يطالبون بكهرباء مستقرة تمكنهم من العيش بكرامة، وتخفف عنهم أعباء واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
إن استمرار أزمة الكهرباء بهذا الشكل لا يهدد راحة المواطنين فقط، بل يهدد أيضاً جهود إعادة الحياة إلى الخرطوم. فلا يمكن الحديث عن عودة طبيعية للسكان أو استئناف النشاط الاقتصادي أو استقرار الخدمات الصحية والتعليمية في ظل بنية خدمية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الإمداد الكهربائي المستقر.
لقد أصبحت الكهرباء بالنسبة لسكان الخرطوم قضية إنسانية قبل أن تكون قضية فنية أو إدارية. فكل ساعة ظلام إضافية تعني مزيداً من المعاناة لمرضى ينتظرون العلاج، وأطفال يحاولون النوم وسط الحر، وأسر تكافح للحفاظ على ما تبقى من مقومات الحياة.
وفي النهاية، فإن المدن لا تُقاس فقط بالمباني والشوارع، بل بقدرتها على توفير الحياة الكريمة لسكانها. وأي حديث عن التعافي وإعادة الإعمار سيظل ناقصاً ما لم تُعالج أزمة الكهرباء التي حولت حياة آلاف المواطنين في الخرطوم إلى جحيم يومي مفتوح لا يعرف موعد نهايته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.