في تقديري، فإن الحرب الدائرة اليوم، كما هو الحال مع العديد من الحروب والأزمات السياسية التي شهدها السودان منذ الاستقلال، لا يمكن فصلها عن الدور الذي لعبته الحركة الإسلامية في تشكيل المشهد السياسي والعسكري. فالحركة الإسلامية لم تكن مجرد تيار أو حزب سياسي، بل تحولت عبر عقود إلى شبكة واسعة النفوذ تمتد داخل مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، وتغلغلت تأثيراتها في مختلف مفاصل المجتمع.
وعند العودة إلى الأسس الفكرية التي قامت عليها هذه الحركة، نجد أنها تستند إلى مشروع الإسلام السياسي بوصفه مرجعية للحكم والدولة. وفي المقابل، تطرح حكومة السلام مشروعاً مختلفاً يقوم على العلمانية والفيدرالية باعتبارهما أساساً لإدارة الدولة السودانية المستقبلية. وهنا يظهر جوهر الخلاف الذي يغذي حالة الاستقطاب الراهنة.
فالإسلاميون، بحكم تجربتهم الطويلة ونفوذهم المتراكم، لا يبدو أنهم مستعدون للقبول بتسوية تقصيهم بالكامل من المشهد السياسي، حتى لو ترتب على ذلك استمرار الصراع أو تعقيد فرص التسوية. وفي المقابل، تتمسك حكومة السلام بمشروعها السياسي، وترى أن العلمانية والفيدرالية تمثلان مدخلاً ضرورياً لمعالجة أزمات السودان التاريخية.
ومن هنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فالحركة الإسلامية ليست قوة سياسية يمكن تجاوزها بقرار إداري أو بتمنيات الخصوم، كما أن التعامل معها باعتبارها خارج معادلة الصراع يتجاهل واقعاً مؤثراً على الأرض. وفي الوقت نفسه، فإن القوى المناهضة لها ترى أن أي تسوية لا تتضمن تغييراً جذرياً في بنية الدولة ستعيد إنتاج الأزمة من جديد.
إن إنهاء الحرب يتطلب الاعتراف بالحقائق كما هي، لا كما نرغب أن تكون. فكل طرف يمتلك أدوات قوة ونفوذاً سياسياً أو عسكرياً أو اجتماعياً، كما أن لكل طرف قاعدة من المؤيدين داخل المجتمع السوداني. ولذلك، فإن أي تسوية لا تستند إلى توافق واسع بين القوى الفاعلة الرئيسية ستظل معرضة للفشل.
ومن هذا المنطلق، فإن الوصول إلى سلام مستدام يتطلب حواراً وتوافقاً بين الركائز الأساسية المؤثرة في المشهد السوداني، وفي مقدمتها حكومة السلام والوحدة، والحركة الإسلامية بمختلف أذرعها، والحركات المسلحة، والقوى السياسية والعسكرية المؤثرة الأخرى. فمهما بلغت الضغوط الخارجية، فإن السلام الحقيقي لا يمكن فرضه من الخارج بقدر ما يُبنى على توافق داخلي بين القوى صاحبة التأثير المباشر على مجريات الصراع.
كما أن الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في جهود الوساطة، سواء كانت الولايات المتحدة الأمريكية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، أو الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الإيقاد، إذا كانت جادة في إنهاء معاناة الشعب السوداني، فإن عليها أن تدفع نحو تسوية واقعية وشاملة تستوعب جميع الأطراف الفاعلة، لا أن تقوم على إقصاء أي طرف يملك القدرة على التأثير في مستقبل البلاد.
فالسؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط: كيف تتوقف الحرب؟ بل كيف يمكن بناء سلام يحفظ وحدة البلاد ويمنع انزلاقها نحو مزيد من الانقسام والتشظي؟
غداً يوم جديد
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.