التعليم في ولاية الجزيرة.. حين تصبح الامتحانات غنيمة لا أمانة

حسن عبد الرضي الشيخ

كلما ظن الناس أن مأساة التعليم في ولاية الجزيرة قد بلغت منتهاها، انكشف لهم قاع جديد من قيعان التدهور الإداري والعبث المؤسسي.

وكأن هذا القطاع الحيوي الذي كان يوماً مفخرة السودان قد تحول إلى ساحة مفتوحة للمحاصصات والترضيات والولاءات السياسية، لا مكان فيها للكفاءة ولا للعدالة ولا حتى للحد الأدنى من احترام المعلم.

نقل إليّ أحد الزملاء من محلية الحصاحيصا صورة مؤلمة تكاد تعجز الكلمات عن وصفها.

فالفوضى التي صاحبت أعمال الامتحانات لم تعد مجرد أخطاء إدارية عابرة، وإنما أصبحت نهجاً كاملاً يضرب في صميم العدالة المهنية ويهدم ما تبقى من الثقة في المؤسسات التعليمية.

لقد بدأت أعمال الامتحانات تحت إدارات لا علاقة لها بالإدارة الرشيدة ولا بمعايير العمل المؤسسي.

أما اختيار المعلمين للمراقبة والتصحيح فقد تم وفق معايير غامضة لا تمت بصلة لمبدأ تكافؤ الفرص أو العدالة بين العاملين.

والنتيجة أن عدداً محدوداً من المعلمين ظل يحتكر أعمال الامتحانات بكل مراحلها، بينما يُقصى المئات من زملائهم دون مبرر مهني أو تربوي مقنع.

فأي منطق يقبل أن يُختار المعلم نفسه لمراقبة وتصحيح امتحانات المرحلة الابتدائية، ثم يعود ليظهر في أعمال امتحانات المرحلة المتوسطة، ثم ينتقل إلى مراقبة امتحانات المرحلة الثانوية؟

وأي عدالة هذه التي تجعل الفرص تدور في حلقة مغلقة بين وجوه محددة بينما يبقى الآخرون خارج المشهد وكأنهم غير موجودين؟

لكن المأساة لا تتوقف عند هذا الحد.

فقد بلغ الأمر درجة من العبث يصعب تصديقها.

إذ تم اختيار مدير التدريب بمحلية الحصاحيصا للمراقبة في امتحانات المرحلة الابتدائية، ثم للمراقبة في المرحلة الثانوية، وبعد ذلك لأعمال تصحيح مادة الجغرافيا بأبو عشر.

واليوم يترك موقعه الإداري شاغراً لينضم إلى أعمال كنترول الشهادة السودانية في مرحلة الترقيم!

إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن كفاءة الرجل أو قدراته الشخصية، وإنما عن المؤسسة التي أصبحت عاجزة عن إيجاد غيره.

هل خلت المحلية كلها من الكفاءات حتى يتحول شخص واحد إلى مراقب ومصحح وعضو كنترول وخبير في كل شيء؟

هل أصبحت إدارة التعليم فقيرة إلى هذا الحد في كوادرها؟

أم أن هناك شبكة مصالح تجعل بعض المواقع والمهام حكراً على أشخاص بعينهم؟

إن المؤسسات السليمة لا تُدار بالأفراد مهما بلغت كفاءتهم، وإنما تُدار بالنظم والقوانين والعدالة والشفافية.

أما حين تصبح الفرص حكراً على مجموعة محددة، فإن الرسالة التي تصل إلى بقية المعلمين هي أن الاجتهاد والخبرة والمؤهلات لم تعد هي الطريق إلى التكليف، وإنما الطريق يمر عبر بوابات أخرى يعرفها الجميع ويتجنب كثيرون الحديث عنها.

والمؤسف أن هذا العبث يحدث في وقت يعيش فيه المعلم السوداني واحدة من أصعب مراحل تاريخه.

رواتب هزيلة، وبيئة عمل متدهورة، وحقوق مهدرة، ثم تأتي أعمال الامتحانات ــ التي تمثل مورداً إضافياً محدوداً للمعلمين ــ لتُوزع على أساس الولاء والعلاقات بدلاً من العدالة والاستحقاق.

إن ما يجري في محلية الحصاحيصا ليس قضية أفراد، بل قضية مبدأ.

فالتعليم لا يمكن أن ينهض في بيئة يغيب عنها الإنصاف وتغيب عنها الشفافية.

والامتحانات ليست غنيمة توزع على المقربين، وإنما أمانة وطنية تتطلب النزاهة والعدالة وحسن الإدارة.

ومن حق معلمي الجزيرة، ومن حق المجتمع كله، أن يسألوا: من يختار؟

وبأي معايير يختار؟

ولماذا تتكرر الأسماء نفسها عاماً بعد عام؟

وأين الرقابة والمحاسبة؟

وأين وزارة التربية والتعليم من كل هذا؟

إن إنقاذ التعليم يبدأ من استعادة العدالة داخل مؤسساته.

أما إذا استمرت هذه الممارسات، فإن المأساة لن تتوقف عند حدود أعمال الامتحانات، بل ستنعكس على ثقة المعلمين، وعلى جودة التعليم، وعلى مستقبل الأجيال نفسها.

وما أشبه حال التعليم اليوم بسفينة تتسرب إليها المياه من كل جانب، بينما ينشغل القائمون عليها بتوزيع المقاعد على المقربين، بدلاً من إنقاذ السفينة نفسها من الغرق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.