وحدة القوى السياسية والمدنية.. صمام الأمان في مواجهة الأزمات

نورا عثمان

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، لا تكون القوة الحقيقية في امتلاك السلاح أو السيطرة على مؤسسات الدولة، بل في قدرة القوى الوطنية على التوحد حول مشروع جامع يحمي البلاد من الانقسام ويضع مصالح المواطنين فوق الحسابات الحزبية الضيقة. والسودان اليوم، وهو يمر بإحدى أكثر مراحله تعقيداً وخطورة، بحاجة إلى هذا النوع من التوافق أكثر من أي وقت مضى.
لقد أثبتت التجارب السياسية السودانية أن التشرذم والانقسام بين القوى المدنية والديمقراطية كانا دائماً من أكبر العوامل التي أضعفت فرص التحول الديمقراطي وأتاحت المجال أمام القوى الساعية إلى احتكار السلطة. ففي كل مرة تتفرق فيها القوى الوطنية، تتراجع فرص بناء دولة المؤسسات والقانون، وتتقدم مشاريع الهيمنة والإقصاء والصراع.
واليوم، وبعد سنوات من الحرب والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء أوسع جبهة مدنية وسياسية تؤمن بالحوار والسلام والتحول الديمقراطي. فالقضية لم تعد تتعلق بمنافسة حزبية أو خلافات سياسية عادية، بل بمستقبل وطن يواجه تحديات وجودية تهدد وحدته واستقراره ونسيجه الاجتماعي.
إن وحدة القوى السياسية والمدنية لا تعني إلغاء الاختلافات الفكرية أو البرامجية، فالتنوع السياسي أحد مظاهر الحياة الديمقراطية السليمة. لكن المطلوب هو الاتفاق على الحد الأدنى من المبادئ الوطنية المشتركة: وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة مسار التحول الديمقراطي، وبناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون.
لقد دفعت الجماهير السودانية ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية من أجل الحرية والسلام والعدالة. ولم تكن ثورة ديسمبر حدثاً عابراً في التاريخ السوداني، بل كانت تعبيراً عن تطلعات عميقة نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم الحقوق والحريات. ورغم ما واجهته تلك التطلعات من انتكاسات وتحديات، فإن الأفكار التي حملتها ما زالت حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من السودانيين.
ومن هنا، فإن مسؤولية القوى السياسية والمدنية اليوم أكبر من أي وقت مضى. فالمواطن الذي فقد منزله بسبب الحرب، أو الذي يقف في طوابير المياه والخبز والدواء، لا ينتظر من القوى الوطنية المزيد من الخلافات، بل ينتظر منها أن تقدم نموذجاً في المسؤولية والتعاون والعمل المشترك لإنقاذ البلاد من أزمتها الراهنة.
كما أن وحدة الصف المدني تمثل رسالة مهمة للمجتمعين الإقليمي والدولي بأن السودانيين قادرون على إنتاج حلولهم الوطنية بأنفسهم، وأن مستقبل البلاد يجب أن يُبنى على التوافق والإرادة الشعبية، لا على منطق القوة أو فرض الأمر الواقع.
إن التحديات التي تواجه السودان أكبر من أن تتصدى لها جهة واحدة أو حزب واحد أو تيار واحد. ولذلك فإن أي مشروع جاد للتغيير والاستقرار يحتاج إلى شراكة واسعة تجمع القوى السياسية والمدنية والنقابية والمجتمعية حول رؤية وطنية مشتركة تضع الإنسان السوداني في مقدمة الأولويات.
لقد علمتنا التجارب أن الانقسامات تفتح الطريق أمام الأزمات، بينما تفتح الوحدة أبواب الأمل. وما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من الاصطفافات الضيقة، بل إرادة وطنية قادرة على تجاوز الجراح والخلافات وبناء أرضية مشتركة لمستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
فحين تتوحد القوى المدنية والسياسية حول مشروع وطني جامع، يصبح التغيير أكثر قرباً، وتصبح فرص السلام أكبر، ويستعيد السودانيون ثقتهم في أن وطنهم قادر على النهوض من جديد مهما كانت التحديات جسيمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.