ميزانية حرب بورتسودان المفتوحة.. هل بقي شيء للخدمات؟

تيسير المبارك

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، أصبحت أولويات السلطة القائمة في بورتسودان واضحة للجميع: الحرب أولاً، وما عداها يمكن أن ينتظر. وبينما تتدفق الموارد العامة نحو الإنفاق العسكري وشراء السلاح وتمويل العمليات القتالية، تتراجع الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين إلى مراتب متأخرة في سلم الأولويات، حتى بات السؤال مشروعاً: هل تترك ميزانية الحرب المفتوحة أي مجال للصرف على التعليم والصحة والمياه والكهرباء؟

الواقع الذي يعيشه السودانيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش يجيب عن هذا السؤال بوضوح. فالمستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمعدات والكوادر الطبية، والمدارس تواجه أزمات متلاحقة بسبب ضعف التمويل وتأخر المرتبات، بينما تتفاقم مشكلات المياه والكهرباء بصورة غير مسبوقة. وفي المقابل، لا تتوقف الدعوات الرسمية إلى مواصلة التعبئة والاستنفار ودعم المجهود الحربي باعتباره الأولوية المطلقة للدولة.

لقد أفرزت الحرب اقتصاداً جديداً يقوم على إعادة توجيه الموارد نحو الجبهات العسكرية على حساب القطاعات المدنية. فكل جنيه يذهب إلى شراء السلاح أو تمويل العمليات القتالية هو في المقابل جنيه يُقتطع من ميزانيات الصحة والتعليم والخدمات العامة. ومع استمرار الصراع لأكثر من ثلاثة أعوام، بدأت آثار هذا الاختلال تظهر بوضوح في حياة المواطنين اليومية.

المفارقة أن السلطات لا تخفي الأزمة المالية التي تعيشها البلاد، لكنها نادراً ما تتحدث عن حجم الإنفاق العسكري أو آليات الرقابة عليه. وفي ظل غياب الشفافية، يجد المواطن نفسه مطالباً بتحمل نتائج التضخم وارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات، بينما لا تتوفر معلومات كافية حول كيفية إدارة الموارد العامة أو توزيعها.

أحد أبرز المؤشرات على هذا الخلل يتمثل في الاحتجاجات والإضرابات التي بدأت تظهر وسط العاملين في قطاعات التعليم والصحة والخدمات. فالمعلمون يطالبون برواتب تكفل الحد الأدنى من الحياة الكريمة، والعاملون في القطاع الصحي يشكون من ضعف الأجور وغياب بيئة العمل المناسبة، بينما تواجه مؤسسات المياه والكهرباء تحديات تشغيلية كبيرة بسبب نقص التمويل والصيانة.

ولا يمكن الحديث عن التنمية أو إعادة الإعمار أو عودة الاستقرار في ظل استمرار استنزاف الموارد في الحرب. فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق والخدمات العامة. وعندما تصبح الحرب هي المشروع الوحيد للدولة، فإن النتيجة الطبيعية هي تراجع كل ما يرتبط بحياة المواطنين ورفاههم.

إن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة موارد، بل أزمة أولويات. فالحكومات تُقاس بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية وحماية حياة المواطنين وتحسين ظروفهم المعيشية، لا فقط بقدرتها على إدارة المعارك. وكلما طال أمد الحرب، اتسعت الفجوة بين احتياجات الناس الفعلية وبين ما تخصصه الدولة من موارد لتلبية تلك الاحتياجات.

السودانيون اليوم لا يبحثون فقط عن نهاية للحرب، بل عن دولة تعيد الاعتبار للخدمات العامة وحقوق العاملين والمواطنين. فالجندي الذي يقاتل في الجبهة يحتاج إلى مستشفى يعالجه، والطفل يحتاج إلى مدرسة تعلمه، والأسرة تحتاج إلى ماء وكهرباء وغذاء. وهذه الاحتياجات لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت الحرب تستهلك الجزء الأكبر من موارد الدولة، فمن أين ستأتي الأموال اللازمة لإنقاذ التعليم والصحة والخدمات؟ وهل يمكن لميزانية مفتوحة للحرب أن تتعايش مع دولة قادرة على رعاية مواطنيها؟ الإجابة تبدو واضحة في واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم، حيث يدفع المواطن السوداني فاتورة الحرب مرتين؛ مرة من أمنه واستقراره، ومرة من حقه في الخدمات والحياة الكريمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.