صمت الإسلاميين… والصدع الذي خرج إلى العلن

د. عبد المنعم همت

في السياسة توجد أحداث تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها تكشف ما هو أكبر بكثير من حجمها الحقيقي. واعتقال ، د.النعمان عبد الحليم ، مسؤول الاتصال السياسي بالمؤتمر الوطني جناح إبراهيم محمود، ثم اعتقال عمر الفاروق أبو أنس المعروف داخل الأوساط الإسلامية بلقب الجنرال وهو أحد قادة التنظيم العسكري للاسلاميين ومسؤول الامداد بفيلق البراء بن مالك ، يندرج ضمن هذا النوع من الأحداث.

فالخبر في حد ذاته ليس استثنائياً في بلد يعيش حرباً واضطراباً سياسياً وأمنياً. غير أن ما أعطى الواقعة دلالتها الخاصة هو رد الفعل الذي تلاها أو بالأحرى غياب رد الفعل.

خلال العقود الماضية اعتادت الحركة الإسلامية السودانية أن تتحرك بسرعة عندما يتعرض أحد كوادرها للاعتقال أو الملاحقة. كانت البيانات تصدر، وتبدأ حملات التضامن، وتتحرك شبكات التنظيم للدفاع عن أبنائها. هذه المرة ساد الصمت. لم تظهر حالة التعبئة المعتادة ولم ترتفع الأصوات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، وكأن الأمر لا يتعلق بقيادات تنتمي إلى التيار نفسه.

والصمت في مثل هذه الحالات لا يُقرأ باعتباره موقفاً محايداً. فهو يحمل معانيه الخاصة، ويشير إلى أن ما يجري يتجاوز حدود العلاقة بين السلطة والإسلاميين ليقترب من مساحة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بالخلافات داخل البيت الإسلامي نفسه.

وتزداد أهمية هذه القراءة مع ما ذكرته زوجة عمر الفاروق أبو أنس حول الطريقة التي تم بها اعتقاله. فبحسب روايتها، جرت العملية بصورة مهينة وفيها روح الانتقام. ومهما كانت دقة التفاصيل، فإن مجرد تداول هذه الرواية داخل الأوساط الإسلامية يكشف عن حالة من الاحتقان وفقدان الثقة بين أطراف كانت تعمل داخل معسكر واحد.

منذ اندلاع الحرب ظهرت مؤشرات عديدة على وجود تنافس متصاعد بين مراكز نفوذ مختلفة داخل الحركة الإسلامية. بعض هذه المراكز يرتبط بأحمد هارون، وبعضها يدور حول إبراهيم محمود، بينما توجد دوائر أخرى تعمل من داخل المؤسسات العسكرية والأمنية وتسعى إلى بناء نفوذ مستقل عن القيادات السياسية التقليدية.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه خلال الفترة الأخيرة هو الحديث المتزايد عن تنظيم الضباط الوطنيين الإسلاميين داخل القوات المسلحة. فهناك اتجاه داخل التيار الإسلامي يرى أن الأزمة التي واجهت الحركة خلال السنوات الماضية تعود إلى أخطاء القيادات المدنية والصراعات الشخصية التي أنهكت التنظيم وأضعفت تماسكه. ومن هنا برزت دعوات إلى إعادة تجميع الإسلاميين الموجودين داخل الجيش تحت مظلة أكثر تأثيراً وانضباطاً.

هذه الفكرة تعكس تحولاً مهماً في طريقة التفكير داخل بعض الدوائر الإسلامية. فبعد سنوات طويلة كانت القيادة السياسية للحركة هي مركز الثقل، بدأ يظهر تيار يمنح المؤسسة العسكرية دوراً أكبر في رسم مستقبل الإسلاميين وفي تحديد شكل المرحلة المقبلة.

وفي خضم هذه التطورات جاءت استقالة أبو بكر شبو من رئاسة تجمع السودانيين بالخارج لتضيف مؤشراً جديداً على عمق الأزمة. فهذا التجمع لم يكن مجرد إطار اجتماعي أو مهني، فقد ارتبط لسنوات بشبكات الإسلاميين في الخارج وبنشاطهم السياسي والإعلامي. كما أن التجمع نفسه شهد انقساماً سابقاً عندما انبثق عنه جسم آخر بعد الخلافات التي ضربته، فتحول الاسم من تجمع السودانيين الشرفاء بالخارج إلى تجمع السودانيين بالخارج.

وعندما تتكرر الانقسامات داخل المؤسسات والواجهات المرتبطة بتيار سياسي واحد، يصبح من الصعب اعتبار الأمر مجرد خلافات عابرة. فالتنظيمات القوية تستطيع احتواء التباينات الداخلية، أما عندما تبدأ الانقسامات في الظهور داخل الأجسام المختلفة وفي أكثر من مستوى، فإن ذلك يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالقيادة والولاءات وموازين القوة.

لهذا تبدو الاعتقالات الأخيرة، واستقالة أبو بكر شبو، والجهود الرامية إلى توسيع تنظيم الضباط الإسلاميين، حلقات في مشهد واحد. مشهد يكشف أن الحرب لم تفتح باب الصراع بين القوى السودانية المختلفة فقط، وإنما فتحت أيضاً باباً واسعاً للمنافسة داخل الحركة الإسلامية نفسها.

وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس من تم اعتقاله أو من قدم استقالته، وإنما من يملك زمام المبادرة داخل التيار الإسلامي؟ ومن الجهة القادرة على فرض رؤيتها على بقية المجموعات؟

الإجابة لم تتضح بعد. غير أن المؤكد أن الحركة الإسلامية تمر بمرحلة تختلف عن كثير من المراحل التي عرفتها من قبل. فالصراع الذي كان يدور في الغرف المغلقة بدأ يترك آثاره على السطح، والصدع الذي ظل مخفياً سنوات طويلة أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.