لم يكن معلمو السودان يبحثون عن مواجهة، ولم يتجهوا إلى التصعيد رغبةً في تعطيل الدراسة أو إرباك العملية التعليمية. فقد سلكوا الطريق الذي تفرضه المسؤولية المهنية والواجب الوطني، فرفعوا مذكراتهم إلى الجهات المختصة، وحددوا مطالبهم بوضوح، ومنحوا السلطات مهلةً كافية للرد والمعالجة، على أمل أن تجد قضيتهم آذانًا صاغية وعقولًا تدرك حجم المأساة التي يعيشها المعلم السوداني. لكن الصمت كان هو الجواب.
ومرةً أخرى، اختارت الجهات الرسمية أن تتعامل مع قضية المعلمين بعقلية التجاهل والمماطلة، وكأنها تراهن على إنهاك أصحاب الحق، أو تفتيت صفوفهم، أو إخماد جذوة مطالبهم بطول الانتظار. غير أن من لا يعرف المعلم السوداني يخطئ تقدير الأمور؛ فالصبر الذي ظل يمارسه سنواتٍ طويلة لم يكن يومًا استسلامًا، والاحتمال الذي أبداه في أقسى الظروف لم يكن قبولًا بالظلم أو رضوخًا للأمر الواقع.
لقد بلغ المعلم مرحلةً لم يعد فيها قادرًا على احتمال المزيد. سنوات من التدهور المعيشي المتواصل، ورواتب فقدت قيمتها حتى أصبحت عاجزة عن تغطية أبسط متطلبات الحياة، وظروف عمل قاسية فرضتها الحرب والانهيار الاقتصادي، ومسؤوليات أسرية تتضاعف يومًا بعد يوم في ظل غياب أي معالجة جادة. لذلك لم تعد قضية المعلمين اليوم مجرد مطالب مهنية أو تحسينات وظيفية، بل أصبحت قضية كرامة ووجود.
إن إعلان الإضراب ليس حدثًا عابرًا يمكن المرور عليه بلا انتباه، وإنما هو جرس إنذار يدق بقوة كاشفًا عمق الأزمة التي وصل إليها التعليم في السودان. فعندما يقرر المعلم، الذي ظل لعقود يحمل أعباء الوطن بصمت ويواصل أداء رسالته رغم الحرمان، أن يرفع صوته وأن يوقف عمله، فإن ذلك يعني أن الأوضاع قد تجاوزت حدود الاحتمال، وأن الأزمة بلغت مرحلةً لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الوعود المؤجلة.
واللافت في هذا الحراك أنه يعكس مستوىً عاليًا من الوعي والمسؤولية والتنظيم. فالمعلمون لم يلجؤوا مباشرةً إلى الإضراب المفتوح، ولم يغلقوا أبواب الحلول، بل اختاروا مسار التصعيد المتدرج، تاركين المجال أمام الاستجابة العقلانية والحوار الجاد. غير أن الرسالة التي بعثوا بها لا تحتمل التأويل: لقد انتهى زمن التسويف، ولم تعد الوعود الفارغة قادرةً على خداع أحد.
وما يبشر به هذا الحراك يتجاوز حدود الإضراب نفسه؛ فهو يؤذن بولادة مرحلة جديدة من الوعي النقابي والمهني وسط المعلمين، مرحلة تدرك أن الحقوق لا تُوهب منحةً من أحد، وإنما تُنتزع بالنضال المشروع، والوحدة الصلبة، والتنظيم الواعي، والإرادة الجماعية التي لا تنكسر.
ولعل أكثر ما يبعث الأمل أن المعلمين باتوا أكثر إدراكًا لمصدر قوتهم الحقيقي. فقد أثبتت التجارب أن وحدة الصف هي السلاح الأقوى في مواجهة التجاهل والتسويف، وأن محاولات الترهيب أو الإغراء أو بث الشائعات لا تنجح إلا حين تتسلل الفرقة إلى الصفوف. أما حين تتوحد الإرادة حول هدف واضح وعادل، فإن كل أدوات الإضعاف تفقد تأثيرها.
ومن هنا، فإن الإضراب المرتقب لا ينبغي النظر إليه باعتباره أزمةً صنعها المعلمون، بل باعتباره النتيجة الطبيعية والمباشرة لسياسات الإهمال التي انتهجتها الجهات المسؤولة. فالذي أوصل الأمور إلى حافة الإضراب ليس قرار المعلمين بالتصعيد، وإنما تجاهل المذكرة، وعدم احترام المهلة الممنوحة، والتعامل باستخفاف مع مطالب عادلة ومشروعة تمس حياة عشرات الآلاف من العاملين في قطاع التعليم.
وقد ازدادت مشروعية هذا الحراك وقوته المعنوية مع اتساع دائرة التضامن معه؛ إذ أبدت أجسام مهنية ونقابية عديدة دعمًا واضحًا وغير محدود لمطالب المعلمين، وتتابعت بيانات المساندة التي أكدت عدالة القضية وأهمية الاستجابة لها قبل أن تتسع دائرة الأزمة.
أما أولياء الأمور وجماهير الشعب السوداني، فإن مصلحتهم الحقيقية لا تكمن في كسر إرادة المعلمين أو تحميلهم تبعات الأزمة، بل في الوقوف إلى جانبهم ومساندة قضيتهم. فلا تعليم بلا معلم، ولا استقرار للمدارس في ظل الجوع والإحباط والتهميش، ولا مستقبل للأجيال إذا كان صُنّاع ذلك المستقبل عاجزين عن توفير أبسط احتياجات أسرهم.
لقد بدأت بالفعل أولى خطوات الطريق نحو الإضراب الشامل، والكرة الآن في ملعب السلطات. فإما أن تختار طريق الحكمة والحوار والاستجابة المسؤولة قبل فوات الأوان، وإما أن تتحمل كامل المسؤولية عن اتساع دائرة التصعيد وما سيترتب عليه من آثار ونتائج.
أما المعلمون، فقد قالوا كلمتهم بوضوح لا لبس فيه: لقد طال الصبر حتى بلغ منتهاه، وحان وقت استرداد الحقوق وصون الكرامة.
فلا تعليم بلا معلم، ولا كرامة للتعليم في وطنٍ يُهان فيه معلموه ويُتركون فريسةً للفقر والتجاهل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.