ليست الدول كيانات تنهار فجأة، بل يبدأ سقوطها بتصدعات صغيرة تتسع مع الوقت حتى تتحول إلى أزمة شاملة.
فالتاريخ يعلمنا أن الانهيار يبدأ همساً قبل أن يصبح واقعاً لا يمكن تجاهله.
وقد عبّر الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، عن هذه الحقيقة حين وصف نظام الإنقاذ في بداياته بأنه “كلوح الثلج سوف يذوب لوحده”، في إشارة إلى أن الأنظمة التي تعجز عن إصلاح أزماتها وفقدان شرعيتها تتآكل من الداخل قبل أن تسقط.
واليوم تواجه دولة (56) تحديات خطيرة تثير تساؤلات مشروعة: هل ما تمر به مجرد أزمة عابرة، أم أنها تقترب من مرحلة تهدد بقاء الدولة نفسها؟
من أبرز مؤشرات الخطر تدهور العملة الوطنية وارتفاع الأسعار بصورة ترهق المواطنين، فضعف الاقتصاد لا ينعكس على المعيشة فقط، بل يهز الثقة في الدولة ومستقبلها.
وتزيد الحروب من حجم الأزمة باستنزاف الموارد وتعطيل التنمية وتوسيع دائرة الفقر والنزوح.
ويصبح الوضع أكثر خطورة عندما تفقد الدولة احتكارها للقوة المشروعة، فتتعدد الجيوش والمليشيات وتتراجع هيبة القانون لصالح مراكز نفوذ متنافسة.
وعندها يبرز السؤال الجوهري: هل ما زالت دولة 56, قادرة على القيام بوظائفها الأساسية؟
كما أن تراجع الدعم الخارجي والعزلة السياسية والاقتصادية يزيدان من هشاشة الدولة، بينما يؤدي الغلاء والبطالة وانسداد الأفق إلى اتساع الفجوة بين المواطنين والسلطة.
وتؤكد تجارب التاريخ أن الدول لا تنهار دون إنذارات مسبقة، وأن تجاهل هذه المؤشرات يقود غالباً إلى الفوضى أو التفكك.
كما أن وهم الانتصار الكامل في الحروب الأهلية غالباً ما يخلف أوطاناً منهكة وشعوباً تدفع ثمناً باهظاً.
لذلك فإن السؤال الأهم اليوم ليس من سيربح الحرب، بل ماذا سيتبقى من السودان إذا استمرت؟
فالوطن أكبر من الصراعات السياسية والعسكرية، ومستقبله يجب أن يكون فوق كل الحسابات الضيقة.
إن المؤشرات الحالية تنذر بتفاقم الكلفة الإنسانية والاقتصادية يوماً بعد يوم، مما يجعل الحكمة والحوار والتفاوض ضرورة وطنية، لا علامة ضعف أو هزيمة.
فالتاريخ يخلد من أوقفوا الحروب وأنقذوا أوطانهم، لا من أطالوا أمد الأزمات.
ولا تزال الفرصة قائمة لتغليب صوت العقل وإنقاذ السودان وإعادة بناءه على أسس جديدة تعلن القطيعة مع الدولة القديمة التي أدمنت الفشل، لكن الوقت يضيق، وبعض الفرص إذا ضاعت لا تعود.
ويبقى السؤال: هل يستجيب أصحاب القرار لنداء الإنذار قبل أن يتحول إلى مرثية وطن؟
وإذا كانت دولة 56، عبر تاريخها الحديث، لم تُحسن سوى إعادة إنتاج الفشل وتوريث الأزمات، ولم تترك لشعبها إلا إرثاً من الانقسام والتهميش والقهر وإهدار الفرص، حتى غدا الموت فيها صناعة والفتنة سياسة والتناحر وسيلة لإدامة السلطة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما الذي يدفع البعض إلى التشبث بها والدفاع عن استمرارها بصورتها الراهنة؟
أهو إيمان بوطن لم يتحقق يوماً، أم حرص على مصالح ارتوت طويلاً من معاناة الناس وأوجاعهم؟
لقد آن الأوان لانتزاع الأقنعة عن الشعارات المستهلكة التي فقدت معناها تحت وطأة الواقع.
فالأوطان لا تُقاس بعمر الأنظمة ولا بقدرتها على البقاء فوق أنقاض الفشل، بل بما تمنحه لشعوبها من عدالة وكرامة وأمل.
أما الدولة التي اعتادت إنتاج المآسي وتدوير أسباب انهيارها جيلاً بعد جيل، فإن استمرارها على هذا النحو ليس انتصاراً للتاريخ ولا حفاظاً على الوطن، بل إطالة لعمر المأساة وتأجيل لاستحقاق الخلاص الذي لاحت بشائره.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.