حكومة “الأمل” السودانية: رمزيات بلا برنامج

د. عوض النقر بابكر محمد

بعد عام على توليها السلطة، تبدو حكومة كامل إدريس أقرب إلى واجهة دبلوماسية لسلطة عسكرية منها إلى حكومة قادرة على إدارة أزمة وجوديةالعودة إلى الخرطوم: إنجاز رمزي في بحر من العجزفي 26 أغسطس 2025، عقد مجلس وزراء حكومة كامل إدريس أول اجتماع له في العاصمة الخرطوم، بعد أكثر من عامين من إدارة شؤون البلاد من بورتسودان. كانت الخطوة بمثابة إعلان رمزي عن عودة الحكومة إلى مقرها، تلتها إعلانات متتالية عن عودة دائمة للوزارات. لكن هذا الإنجاز الرمزي، الذي تباهت به الحكومة، يكاد يكون الشيء الوحيد الذي يمكن إدراجه في سجلها.بعد عام كامل على توليها السلطة في 31 مايو 2025، لم تقدم “حكومة الأمل” — كما سُمّيت — خطة عمل واضحة، ولم تعقد اجتماعات دورية منتظمة، ولم تُحدث تغييراً ملموساً في ظروف ملايين السودانيين الذين يعانون من شظف العيش في ظل حرب أهلية مستمرة منذ أبريل 2023.الولادة المتعثرة والصلاحيات المبتورةاستغرق تشكيل الحكومة أسابيع طويلة بسبب خلافات بين المكونات العسكرية والسياسية حول الحقائب الوزارية. حين ولدت، كانت متأخرة وناقصة: 22 وزيراً و4 وزراء دولة، لكن دون خارطة طريق واضحة. وما زال مقعد وزارة البيئة شاغراً حتى اليوم.الأكثر إشكالية أن رئيس الوزراء لا يملك صلاحيات كاملة. قرارات التعيين والإقالة مرتبطة بتوازنات قبلية وعسكرية، ومجلس السيادة — الهيئة العسكرية الفعلية — يملك القرار الأخير. يعمل إدريس، وفق مراقبين، كـ”غطاء مدني” للسلطة العسكرية، ومهامه مقتصرة على التمثيل الدبلوماسي وإرسال رسائل تهدئة للمجتمع الدولي.الحرب تلتهم الموارد والحكومة تُقدم الشكلياتالحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي أسفرت عن أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، لا تزال تلتهم ما تبقى من موارد الدولة. الخزينة خاوية، والموارد تُوجه للحرب بدلاً من إعادة بناء البنية التحتية المهدمة.في هذا السياق، تركزت “إنجازات” الحكومة على خطوات شكلية: تخفيض نسب القبول للجامعات، تقليص الجمارك، إقالة بعض المسؤولين في مارس 2026، وحل مجالس إدارات شركات القطاع العام. لكن المواطنين في المناطق المحررة ينتظرون خطوات عملية في استعادة المياه والكهرباء والصحة والتعليم، ولم يحصلوا عليها.الدبلوماسية بديلاً عن الحكمفي ديسمبر 2025، طرح إدريس مبادرة لوقف إطلاق نار شامل تحت رقابة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية. كما مثّل السودان في الجمعية العامة للأمم المتحدة وأجرى لقاءات مع رؤساء دول. لكن هذه الجهود الدبلوماسية لم تترجم إلى تقدم على الأرض. المبادرة لم تُنهِ الحرب، والمجتمع الدولي — الذي يبحث عن شريك مدني للتفاوض — لم يجد في الحكومة طرفاً مستقلاً بما يكفي لحمل الطرفين على التهدئة.غياب القاعدة السياسية: ضعف بنيويإدريس، وهو شخصية أكاديمية وإدارية، لا يملك حزباً منظماً أو قاعدة شعبية نافذة داخل السودان. هذا النقص في “الآلة السياسية” يُضعف قدرته على الضغط أو التفاوض باستقلالية. دعمه الداخلي مرتبط بالجيش، وبالتالي فإن أي خلاف مع المؤسسة العسكرية يعني نهاية حكومته.بين التبرير والمساءلةيدافع مؤيدو الحكومة بأن الوقت لا يزال مبكراً للحكم عليها، وأنها تعمل في ظروف كارثية: حرب مدمرة، بنية تحتية مهدمة، سيولة أمنية، وخزينة فارغة. يُشيرون إلى أن عودة الخدمات تدريجياً وعودة مئات الآلاف من النازحين إنجازات لا يمكن تجاهلها.لكن الناقدين يرون أن هذا لا يبرر كل هذا التراخي. بعد عام كامل، لم تُنجز الأساسيات: لا خطة عمل، لا اجتماعات دورية، لا تشكيل لهيئات نزاهة واستراتيجية. يعتبرون هذا “عجزاً” وليس بطءً طبيعياً، ويثار تفكير جدي في إقالة الحكومة.الخلاصة: واجهة بلا عمقحكومة كامل إدريس تواجه معضلة بنيوية لا يمكن تجاوزها: هي حكومة مدنية في ظل سلطة عسكرية فعلية، تعمل في بلد مُدمَّر بالحرب ومنقسم جغرافياً وسياسياً. الإنجازات تقتصر على الخطوات الرمزية والدبلوماسية، بينما الفشل يتجلى في غياب البرنامج العملي وعدم تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.السؤال ليس ما إذا كانت الحكومة “سيئة” بالمعنى المطلق، بل ما إذا كانت قادرة — أو مسموحاً لها — بأن تكون أكثر من “واجهة مدنية” للنظام العسكري. طالما أن قرارات التعيين والإقالة مرهونة بمجلس السيادة، وطالما أن الموارد تُوجه للحرب لا للتنمية، فإن “حكومة الأمل” تظل أملاً ضعيفاً على أحسن تقدير، وغطاءً جمالياً على استمرار الأزمة على أسوأ تقدير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.