في السادس من مايو 2023، وبتسهيل ورعاية مشتركة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، كان “منبر جدة” مبادرة دبلوماسية وتفاوضية هدفت إلى إيجاد حل للأزمة السودانية والنزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وشأنها شأن بقية المبادرات والمنابر التالية، تم إجهاض المبادرة من قبل قيادة الجيش التي أصرت على حذف بند الانسحاب من الأعيان المدنية كما هو مثبت في محاضر التفاوض، ومن ثم خرجت للعلن لتعلن العكس، وهكذا دأب من يديرون الجيش بالريموت كنترول.
وحتى يوم الناس هذا، لم تخرج خارجية المملكة العربية السعودية ببيان لتوضح للناس ما حدث في المنبر وأسباب الفشل؛ لربما كان ذلك لشئ في نفس يعقوب الرياض كما اتضح لاحقاً وسنورد تالياً.
تبدو المفارقة أن موقف خادم الحرمين الشريفين أو من ينوب عنه قد فارق المنطق وخالف أمراً شرعياً وحكماً إلهياً بمقاتلة الفئة الباغية حال نشوب قتال بين المؤمنين، وذلك حقناً للدماء ودرءاً للفتن والكوارث.
لم تكتفِ قيادة المملكة العربية السعودية بمخالفة الأمر والحكم، بل انحازت للفئة الباغية وأمدتها بالسلاح والمال والعتاد لتُبقي نيران الحرب مشتعلة، وتُسهم في قتل مئات الآلاف وتدمير المزيد من البنية التحتية والمرافق العامة.
فتحت المملكة العربية السعودية جسراً ما بين بورتسودان وباكستان للتسليح، منيبة عن قادة الجيش في إبرام الصفقات، وحتى غاز الكلور الذي جرى استخدامه في معارك الخرطوم وصل عن طريق ميناء جدة السعودي؛ نعم، جدة ذاتها التي شهدت جولات تفاوض موؤودة بين طرفي الحرب.
من الواضح أن المملكة العربية السعودية لا يعنيها من أمر السودان شيء وإن احترق أو تشرذم وتفتت، ما دام أمن البحر الأحمر حاضراً، وهنا التقت إرادتا قادة المملكة والجيش ومن خلفهم بالطبع الحركة الإسلامية الإرهابية.
أمر ثانٍ هو أن المملكة العربية السعودية تدعم الإسلام السياسي ما دام خارج حدودها، وهو ما كشفته الأيام في عديد الدول؛ حيث تحتفظ بعلاقات طيبة مع حزب الإصلاح اليمني، وتمد يدها لسوريا، وتحتضن قادة ما يُسمى بدول العالم الإسلامي السياسي.
أنفاقات المملكة العربية السعودية ملايين الدولارات في شراء ذمم المقاتلين وجلبهم إلى صفوف الجيش، وأكثر من تلك الملايين في التسليح المباشر وغير المباشر، ولو أنها أنفقت معشار ما أنفقت في إحلال السلام بدلاً عن نفخ كير الحرب، لكان السودان في سلام.
هنا.. تبرز المقولة الخالدة: “لا يستطيع أحد أن يمتطي ظهرك إلا إذا انحنيت”، لكن قادة الجيش ومن ورائهم قادة الحركة الإسلامية جعلوا السودان مسرحاً لمخابرات العالم وعرضة في سوق النخاسة الدولية، وهنا يبقى مستقبل البلاد مرهوناً بإزاحة من تسبب في هذا الوضع ووضع السودان على حافة التلاشي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.