حين تنهار طاولة المفاوضات ونستشهد بشعراء عكاظ.. تفقد الدبلوماسية هدوءها

يوسف عزالدين

عندما تصرخ الدبلوماسية في قاعة الأمم المتحدة، فاعلم أن المنطق قد غادر القاعة.

ما حدث في اتهامات الحكومة السودانية المتكررة لدولة الإمارات العربية المتحدة لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحول إلى ظاهرة تستحق التوقف: لماذا هذا الإصرار؟ وحتى متى؟

العلاقة بين الشعب السوداني والشعب الإماراتي لم تكن يوماً علاقة عداء، بل هي علاقة دم ونسب وعمل وذكريات. كم سوداني بنى بيته من عرق جبينه في دبي وأبوظبي؟ وكم إماراتي فتح بيته وشركته ومستشفاه للسوداني؟ هذه هي الحقيقة الاجتماعية التي لا يمكن لمذكرة احتجاج في نيويورك أن تمحوها.

أما سياسياً، فالسؤال الأكبر: هل مقر الأمم المتحدة هو مكان للمهاترات أم مكان للحجة؟

الدبلوماسية لها لغة، ولغتها باردة وهادئة ومليئة بالوثائق والأدلة الدامغة. لكن ما نراه هو لغة صاخبة واتهامات على المنابر، دون ملف قانوني متماسك يقنع المجتمع الدولي.

العالم لا يحكم بالعاطفة، بل بالدليل. فأين هو؟

إذا كانت هناك أدلة قاطعة، فلماذا لم تتحول إلى قضية قانونية دولية متكاملة أمام محكمة العدل الدولية، بدلاً من خطابات إعلامية؟

ونقول: من المستفيد من تحويل أزمة داخلية سودانية ـ سودانية إلى أزمة خارجية مع دولة لم تكن يوماً عدواً للسودان؟

أليس هذا هروباً من مواجهة الفشل الداخلي؟

حتى متى سنظل نعلق كل إخفاقاتنا على شماعة الخارج؟

الحرب اندلعت بقرار سوداني، والسلاح انتشر بقرار سوداني، والسلام أيضاً لن يأتي إلا بقرار سوداني.

هل فكرنا في ثمن هذه المهاترات؟

آلاف السودانيين يعيشون في الإمارات، ومئات الآلاف يعتمدون على تحويلاتهم. هل نضحي بمصالح شعبنا من أجل مكسب سياسي لحظي في مؤتمر صحفي؟

الدبلوماسية السودانية كانت يوماً ما مدرسة في الحكمة والهدوء. كانت تُعرف بأنها لا ترفع صوتها، بل ترفع حجتها. اليوم نفقد تلك الهيبة؛ نهاجم في المنابر ثم نمد اليد في الكواليس. هذا ليس احتراماً للمنطق الدبلوماسي، بل فقدان له.

الخلاف بين الدولتين يجب أن يُحل في الغرف المغلقة، بالحوار، وبالأدلة، وبالمصالح المشتركة. أما تحويله إلى معركة شعبية بين شعبين شقيقين على مواقع التواصل، فهو خطر حقيقي. الشعوب لا تنسى الإساءة.

إلى متى؟

سنظل نهرب من مرآة الداخل إلى نافذة الخارج؟

السودان لا يحتاج عدواً جديداً. السودان يحتاج وقفاً للحرب، والإمارات لم تكن يوماً هي من أشعلها.

عودوا إلى هدوء الدبلوماسية، فالصراخ لا يصنع وطناً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.