لقد مرّ أكثر من ستة أيام منذ أن قامت الطائرات الحربية المصرية، بصورة وحشية ومثيرة للاستهجان، بقصف عمال التعدين في الجزء الشمالي من البلاد. ومع ذلك، لا يزال النظام القائم بالأمر الواقع في بورتسودان يتجاهل الحادثة تماماً، وكأنها لا تعنيه من قريب أو بعيد. وما زالت أسر الضحايا، التي أنهكها الانتظار، تترقب وتنتظر أن يصدر هذا النظام بياناً صحفياً يزيل الغموض واللبس المحيطين بهذه الحادثة. كما واصل الصحفيون والمراسلون والنقاد انتقاد النظام القائم بالأمر الواقع عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، ما زالت الحكومة في بورتسودان متعنتة ومترددة في اتخاذ أي خطوة إيجابية لكشف الحقيقة. وحتى الآن، لم يتم تشكيل أي لجنة أو بعثة لتقصي الحقائق.
من ناحية أخرى، التزمت الصحف المصرية قدراً كبيراً من الصمت حيال هذه الحادثة، لأنها تخدم المصالح العليا لبلادها. فلم يصدر أي بيان رسمي من السلطات المصرية ينفي أو يؤكد وقوع الحادثة. ومن المعروف على نطاق واسع أن المصالح الوطنية والقومية تتقدم على غيرها من المصالح. وقد ظلّت الصحف والصحفيون المصريون صامتين لأن هذه الاعتداءات الوحشية التي نفذتها طائراتهم العسكرية تخدم هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية بالنسبة لبلادهم.
لقد ألحق بنا هذا النظام القائم بالأمر الواقع عاراً وإهانة عميقين. وينبغي للشعب السوداني ألا يعتمد كثيراً على هذا النظام، لأنه لم يصل إلى السلطة لخدمة مصالح الشعب، بل لخدمة ما تبقى من فلول النظام الإسلامي البائد. كما ينبغي للشعب السوداني ألا يعتمد عليه لأنه ليس من صنعه أو اختياره، بل جاء إلى السلطة عبر انقلاب عسكري. إن الرؤية المستقبلية لهذا النظام تختلف عن الرؤية العامة للشعب السوداني، كما أن رسالته وأهدافه الاستراتيجية لا تنسجم مع تطلعات الأمة السودانية.
إن النظام القائم بالأمر الواقع في بورتسودان يسعى بلا كلل لإعادة النظام الإسلامي إلى سدة الحكم، مستخدماً شتى الأساليب والمناورات للبقاء في السلطة حتى يحقق مهمته. أما شعار “حرب الكرامة” فليس سوى كلام يُقال، بينما يُعد شعار “المجد للبندقية” مجرد شعار أجوف آخر.
عندما تُخترق حدودك الوطنية دون موافقتك، وتُدنَّس أراضيك بأقدام وجزم دولة أخرى، وتنتهك أجواؤك الوطنية بواسطة طائرات حربية أجنبية، ويُهان شعبك ويُجرَّد من إنسانيته أمام ناظريك على أيدي الأجانب، فماذا تسمّي ذلك؟ وكيف يمكن تمجيد بندقيتك إذا لم تُوجّه فوهتها نحو من دنّس أرضك، وانتهك أجواءك، وأهان شعبك؟ وكيف يمكن أن تكون حربك حرب كرامة إذا لم تُوجّهها نحو أعدائك الحقيقيين؟
لقد قال مارتن لوثر كينغ الابن ذات مرة إن الناس لا يستطيعون امتطاء ظهرك ما لم يكن منحنياً. لقد ظل ظهر السودان منحنياً منذ عام 1956 بسبب سوء القيادات السياسية. ومنذ ذلك الحين، استغل النظام المصري هذا الوضع، ونهب مواردنا من مياه وذهب وثروة حيوانية ومنتجات زراعية. وما لم يستقم ظهر الشعب السوداني حتى لا يستغله أحد مرة أخرى، فإن النظام المصري سيواصل استغلاله.
وأنا على ثقة بأن شباب ثورة ديسمبر سيستعيدون كرامتنا ومكانتنا. وهم من سيقومون بمراجعة وإعادة تقييم وإعادة التفاوض بشأن ما يُسمى بـ”العلاقات الأخوية” وجميع الاتفاقيات بين البلدين الجارين. وهناك شائعات قوية قادمة من الشمال تفيد بأن الشباب المحليين بدأوا في إغلاق الطريق الرئيسي المؤدي إلى مصر وإقامة المتاريس عليه. ولن يُسمح بمرور أي سلع أو منتجات أو مواد خام إلى مصر. وتُعد هذه الخطوة الشجاعة رداً قوياً على الصمت المخزي للنظام القائم بالأمر الواقع في بورتسودان. ويجب إعادة وضع هذه العلاقات المتبادلة بين البلدين في إطارها الصحيح إذا كنا حقاً نؤمن بعلاقات متوازنة تقوم على المنفعة المتبادلة، لا على الاستغلال وعدم التكافؤ.
وفي الختام، أرى أن هذا النظام القائم بالأمر الواقع، الذي يمثل ما تبقى من فلول النظام الإسلامي البائد، يجب أن يتنحى فوراً ويفسح المجال أمام الجيل الجديد ليتولى القيادة. وأنا أعلم أنهم لن يتنحوا طواعية، ولكن من الأفضل لهم قبول هذا الخيار بدلاً من مواجهة طوفان الشباب القادم.
وباختصار، ففي أي دولة ديمقراطية متحضرة، لا يمكن أن تمر حادثة مروعة كهذه دون عواقب سياسية على الحكومة القائمة. إذ سيبادر رئيس الوزراء إلى تقديم استقالته فوراً، كما ستُحاسب الحكومة بأكملها أمام الأمة. ولكن، ويا للأسف، يبدو أن السودان هو الاستثناء… ابكِ يا وطني النازف.
كمبالا- أوغندا
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.