الجنيه السوداني يلامس قاع الـ 5500 أمام الدولار وشلل مالي وركود تضخمي غير مسبوق
متابعات ـ عين الحقيقة
يواجه الاقتصاد السوداني ما يمكن وصفه بـ “الإعدام العلني والسريري” للعملة الوطنية، بعد أن سجل الجنيه تراجعاً دراماتيكياً متسارعاً متجاوزاً حاجز الـ 5150 ليتأرجح في الساعات الأخيرة قرب حاجز الـ 5500 جنيه مقابل الدولار الأمريكي الواحد في الأسواق الموازية. هذا الانهيار المتسارع لم يعد مجرد انخفاض تدريجي اعتيادي، بل تحول إلى قفزات جنونية قادت الأسواق إلى حالة من الشلل التام، والارتباك الفوضوي، وسط ركود اقتصادي يهدد بإبادة القوة الشرائية للمواطن بشكل كامل. وفقاً للقراءات الاقتصادية الصارمة وآراء الخبراء – ومنهم د. الأمين بلال مختار الذي وصف الأرقام الحالية بـ “الفضيحة النقدية” – يمكن تشريح هذه الأزمة الهيكلية عبر خمسة مستويات تدين السياسات المالية والنقدية المتبعة من قِبل حكومة الأمر الواقع (حكومة البرهان)، الإفراط في طباعة العملة دون غطاء إنتاجي
تعتمد الإدارة المالية الحالية سياسة “تمويل العجز عبر التوسع النقدي”، وهي جريمة اقتصادية موصوفة. لتغطية عجز الموازنة الضخم، ومرتبات القوات النظامية، والصرف الأمني والعسكري المهول الذي تفرضه الحرب، استمرت مطابع البنك المركزي في العمل بلا توقف. النتيجة الحتمية: ضخ كتلة نقدية ضخمة من الورق النقدى بلا غطاء من السلع أو الاحتياطيات الأجنبية، مما أدى إلى ظاهرة “نقود كثيرة تطارد سلعاً شحيحة”، دافعةً بالدولار إلى مستويات قياسية.
بالاضافة الى الركود التضخمي (Stagflation) بأبشع صوره ، حيث يعيش الاقتصاد السوداني حالياً أسوأ سيناريو كلي يمكن أن تواجهه أي دولة، حيث تلاحقت أزمتان في وقت واحد و هما الركود الحاد شلل تام في قطاعات الإنتاج الحقيقي؛ المصانع مدمرة، والمشاريع الزراعية مهجورة، وحركة الصادر تراجعت إلى ما يقارب الصفر، مما قطع تدفقات النقد الأجنبي. و هنالك التضخم الجامح في أسعار السلع ترتفع على مدار الساعة مدفوعةً بانهيار العملة، ليجد المواطن نفسه بين مطرقة البطالة وانعدام الدخل، وسندان الغلاء الفاحش.
و ايضاً تعدد سلطات الجباية وتفتت السيادة النقدية
و مع الفوضي التي تعيشها البلاد و الإنفاق العسكري وحسابات الحرب التي تدار خارج أطر الموازنة العامة ودون رقابة محاسبية.
و اعتماد الحكومات الولائية والوزارات على قرارات فوضوية بزيادة الجمارك والضرائب والجبايات اليومية لتوفير سيولة عاجلة. هذا التعدد غيّب السياسة النقدية الموحدة، وترك احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي عند مستويات الصفر، ليصبح تجار السوق الموازي هم الحكام الفعليين والمحدد الرئيسي لسعر الصرف.
و يقول الامين بلال ان العملة في أصلها السيكولوجي والمالي هي “عقد ثقة” بين الدولة والمجتمع. اليوم، تبخرت هذه الثقة بالكامل؛ حيث بات المواطن، التاجر، والمستثمر على يقين بأن الجنيه يفقد قيمته كل ساعة. أدى ذلك إلى ظاهرة “الدولرة الشاملة” والهروب الجماعي من العملة المحلية، حيث يسارع أي مستلم للجنيه للتخلص منه فوراً وشراء الدولار أو الأصول، مما سرّع من وتيرة الموت الإكلينيكي للعملة. فضلاً عن الانعكاس المباشر على الأمن الغذائي والدوائي الانهيار الحالي يترجم مباشرة في البيوت السودانية إلى أرقام كارثية تمس لقمة العيش المقومة بأسعار الصرف
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.