الخرطوم بين شبح الانفلات وغلاء المعيشة.. أزمة مركبة تثقل كاهل المواطنين

تقرير: عين الحقيقة

انقطاع الخدمات وتدهور الأمن وارتفاع الأسعار يعمّق معاناة السكان

تعيش ولاية الخرطوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، في ظل تدهور متزامن للأوضاع الاقتصادية والأمنية والخدمية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، ودفع كثيرين إلى التساؤل حول جدوى العودة إلى العاصمة في ظل استمرار التحديات المعيشية والأمنية.
ورغم إعلان السلطات استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من الولاية، إلا أن السكان يؤكدون أن استقرار الأوضاع الأمنية لم يواكب بعد تحسناً ملموساً في الخدمات الأساسية أو النشاط الاقتصادي، إذ لا تزال أزمات المياه والكهرباء وارتفاع الأسعار ونقص السيولة تمثل أبرز هموم المواطنين

أسعار تتصاعد ودخول تتآكل

تشهد أسواق الخرطوم ارتفاعات متواصلة في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، مدفوعة بتراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، إلى جانب ضعف سلاسل الإمداد نتيجة تداعيات الحرب.
ويقول عدد من التجار إن تكلفة استيراد السلع والمواد الخام ارتفعت بصورة كبيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار البيع، بينما لم تواكب دخول المواطنين هذا الارتفاع، ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية وانكماش الحركة التجارية.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، في حديث لـ**”عين الحقيقة”**، أن الأزمة الاقتصادية في الخرطوم ليست معزولة عن المشهد الكلي للاقتصاد السوداني، موضحاً أن الحرب أدت إلى تراجع الإنتاج، وتعطل قطاعات صناعية وتجارية واسعة، فضلاً عن انخفاض الإيرادات العامة وارتفاع معدلات التضخم.

وأضاف أن استعادة النشاط الاقتصادي تتطلب إعادة تشغيل المصانع والأسواق، وتوفير الخدمات الأساسية، واستعادة الثقة بالنظام المصرفي، إلى جانب جذب الاستثمارات وإطلاق برامج عاجلة لدعم الإنتاج المحلي.

تحديات أمنية تعرقل التعافي

وعلى الصعيد الأمني، لا تزال مخاوف السكان قائمة رغم تراجع وتيرة المواجهات المباشرة في أجزاء من الولاية، حيث تتكرر شكاوى المواطنين من انتشار أعمال النهب والسرقات، فضلاً عن القلق من الهجمات بالطائرات المسيّرة التي طالت في فترات متفرقة منشآت مدنية وخدمية.

ويؤكد مراقبون أن استمرار التهديدات الأمنية يحد من عودة الأنشطة الاقتصادية الطبيعية، ويؤخر عودة آلاف الأسر التي نزحت خلال الحرب.

  1. ويقول الخبير الأمني والباحث في شؤون النزاعات اللواء (م) أمين إسماعيل، في تصريح لـ”عين الحقيقة”، إن تحقيق الأمن المستدام لا يقتصر على الانتشار العسكري، وإنما يتطلب إعادة بناء مؤسسات الشرطة والنيابة والقضاء، وإزالة المظاهر المسلحة، وتأمين الأحياء والأسواق والبنية التحتية الحيوية. وأضاف أن الاستقرار الأمني يمثل شرطاً أساسياً لاستئناف الاستثمار وعودة المؤسسات الاقتصادية والخدمية إلى العمل بكامل طاقتها.

أزمة خدمات تزيد المعاناة

ولا تقل أزمة الخدمات الأساسية خطورة عن التحديات الاقتصادية والأمنية، إذ يشتكي سكان أحياء عديدة من انقطاع المياه لساعات طويلة، فضلاً عن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، وهو ما أثر على المستشفيات والمخابز والمنشآت التجارية.
كما تواجه المرافق الصحية والتعليمية صعوبات كبيرة بسبب نقص الكوادر والتمويل، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من المدارس خارج الخدمة أو تعمل بطاقة محدودة.

ويرى الخبير في الإدارة العامة الدكتور الطيب مختار، في حديث لـ”عين الحقيقة”، أن إعادة إعمار الخرطوم ينبغي أن تبدأ بإعادة تشغيل الخدمات الأساسية قبل إطلاق المشروعات الكبرى، لأن استقرار المواطنين مرتبط أولاً بتوفر المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم.

هل تقترب الخرطوم من التعافي؟

يرى محللون أن تعافي ولاية الخرطوم سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على تحقيق ثلاثة مسارات متوازية؛ أولها تثبيت الأمن، وثانيها إعادة الخدمات الأساسية، وثالثها تنفيذ إصلاحات اقتصادية تعيد الثقة للأسواق وتحفز الإنتاج.

ويؤكد الخبراء أن أي تحسن اقتصادي لن يكون مستداماً ما لم يترافق مع استقرار أمني شامل، كما أن نجاح جهود إعادة الإعمار يتطلب شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، لضمان توفير التمويل اللازم وإعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرضت لأضرار واسعة خلال الحرب.

وفي ظل استمرار هذه التحديات، يبقى المواطن في الخرطوم هو الطرف الأكثر تأثراً، بين ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات، واستمرار المخاوف الأمنية، بانتظار حلول عملية تعيد للعاصمة الحد الأدنى من الاستقرار الذي افتقدته طوال سنوات الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.