بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في البلاد، تبدو البلاد عالقة بين مسارين متناقضين: مسار عسكري يواصل إنتاج المعارك والنزوح والجوع، ومساعٍ سياسية ودبلوماسية متكررة تبحث عن مخرج للحرب، دون أن تنجح حتى الآن في فرض وقف مستدام لإطلاق النار.
وفي قلب هذا المشهد يقف قائد الجيش، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، الذي باتت مبادراته السياسية، بما فيها دعوته إلى ما وصفه بـ«الحوار السوداني ـ السوداني»، تواجه انتقادات من قوى مدنية وسياسية ترى أنها قد تفتح الطريق أمام تثبيت نفوذ المؤسسة العسكرية وإعادة تشكيل المشهد السياسي من داخل مناطق سيطرة الجيش.
وتقول قوى سودانية مناهضة للحرب إن الحوار الذي طرحه البرهان لا يمكن أن يتحول إلى مسار سياسي ذي مصداقية في ظل استمرار القتال، معتبرة أن إجراء عملية سياسية قبل وقف إطلاق النار قد يؤدي إلى إضفاء شرعية سياسية على واقع فرضته الحرب.
سلطة تحت مظلة الحرب
منذ انقلاب أكتوبر 2021، ظل البرهان في موقع القيادة الفعلية للدولة، قبل أن تنفجر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ومع استمرار الصراع، انتقلت المعركة تدريجياً من ساحات القتال إلى معركة أخرى حول شكل الدولة ومن يملك حق تمثيلها سياسياً.
ويرى خبراء عسكريون أن استمرار الحرب يمنح القيادة العسكرية مساحة واسعة لتأجيل الانتقال المدني وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة وفق موازين القوة التي أفرزتها المعارك.
وفي الواقع، يتحدث البرهان وحلفاؤه الإسلاميون عن أن الأولوية هي هزيمة الدعم السريع وإنهاء ما يصفه بالتمرد، وأن وقف إطلاق النار بالشروط المطروحة قد يمنح خصمه فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.
لكن المعارك والأحداث الأخيرة في شمال كردفان وولاية النيل الأزرق أعادت سؤالاً أكثر صعوبة إلى الواجهة: هل أصبح استمرار الحرب جزءاً من معادلة البقاء السياسي، بدلاً من أن يكون مجرد نتيجة لفشل التفاوض؟
ثمة أكثر من دليل في الوقت الحالي يشير إلى أن قائد الجيش «البرهان» يتعمد إطالة الحرب من أجل البقاء في السلطة، لكن محللين سياسيين يرون أن رفض أو التحفظ على مبادرات وقف القتال، بالتزامن مع الدفع نحو ترتيبات سياسية من قبل الحركة الإسلامية، حلفاء قائد الجيش داخل مناطق السيطرة، لا سيما «الخرطوم وبورتسودان»، يمكن أن يؤدي عملياً إلى إطالة أمد الحكم العسكري.
وفي سبتمبر 2026، أفادت «رويترز» بأن الولايات المتحدة ربطت، وفق مصادر تحدثت إليها، إصدار تأشيرة للبرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بمقترح هدنة لمدة 90 يوماً، فيما كانت السلطات السودانية قد أبدت تحفظات على المقترح.
الجوع يتسع.. والسياسة تتقدم
وبينما تتصارع النخب السياسية والعسكرية على شكل السلطة، تتسع فاتورة الحرب على المدنيين.
وتقدر الأمم المتحدة أن 33.7 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، بينهم أكثر من 17.3 مليون طفل، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً أكثر من 9.1 ملايين شخص، وفق بيانات اليونيسف.
وتشير بيانات أممية أخرى إلى أن نحو 13 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم داخل السودان أو عبر الحدود، بينما يواجه ملايين السودانيين مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وفي الوقت نفسه، تواصل الحرب ضرب الاقتصاد. فقد أفادت «رويترز» في سبتمبر بأن الجنيه السوداني فقد قرابة نصف قيمته منذ بداية الصيف في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وهكذا تتشكل معادلة شديدة القسوة: البلاد تنزف اقتصادياً وإنسانياً، بينما تستمر معركة السلطة على الأرض وفي غرف السياسة.
الإسلاميون.. الحليف القديم يعود إلى الواجهة
الأكثر إثارة للجدل في المشهد هو موقع الحركة الإسلامية السودانية والقوى والتشكيلات العسكرية المرتبطة بها داخل المعادلة الجديدة، مثل كتيبة البراء والمجاهدين.
ففي مارس 2026، صنفت الولايات المتحدة «الإخوان المسلمين السودانيين» تنظيماً إرهابياً أجنبياً، كما أدرجت وزارة الخزانة الأميركية الحركة ضمن قائمة العقوبات، وربطت بها «كتيبة البراء بن مالك».
وتشير تحليلات بحثية إلى استمرار نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والجيش، وإلى اعتماد الجيش خلال الحرب على ميليشيات الحركة الإسلامية، رغم محاولات معلنة للحد من هذا النفوذ وإدماج بعض التشكيلات في هياكل القوات المسلحة.
لكن هذا الملف لا يخلو من تعقيدات؛ فالسلطات القائمة بحكم الأمر الواقع في بورتسودان غضت الطرف عن مواجهة التصنيف الأميركي، وأكدت رفضها للإرهاب، فيما تظل طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش والحركة الإسلامية قائمة، رغم أنها موضع خلاف سياسي وتحليلي واسع في البلاد.
إلى ذلك، حذرت قوى سودانية من أن إدخال الإسلاميين في أي عملية سياسية جديدة قد يعيد إنتاج تجربة النظام السابق، ويمنح القوى التي حكمت البلاد لعقود فرصة للعودة إلى مركز القرار.
من الحرب إلى إعادة إنتاج السلطة؟
هنا تظهر المفارقة الأكبر.
فالسوداني الذي فقد منزله، أو نزح إلى معسكر، أو يقف أمام سوق خالية، أو يبحث عن علاج لطفله، لا يعنيه كثيراً من يربح معركة الشرعية السياسية في الخرطوم بقدر ما يعنيه أن تتوقف الحرب.
لكن مسار الأحداث يضع البلاد أمام سؤال مختلف: هل يجري البحث عن السلام لإنهاء الحرب، أم يجري استخدام العملية السياسية لإعادة ترتيب السلطة التي أفرزتها الحرب؟
هذا السؤال لا يملك إجابة قاطعة حتى الآن، لكنه أصبح أكثر حضوراً مع طرح البرهان مبادرة للحوار داخل السودان، وسط اعتراضات من قوى سياسية ومدنية فاعلة في البلاد ترى في «حوار البرهان» محاولة لتثبيت الحكم العسكري أو منح شرعية سياسية للواقع الذي فرضته الحرب.
كما أن مبادرات الوساطة الإقليمية والدولية لم تتوقف؛ فالولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات شاركت في جهود الوساطة، بينما واصلت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الدفع باتجاه وقف القتال وفتح مسار سياسي.
المواطن يدفع الفاتورة
في واقع الأمر، لا تبدو الأزمة السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين جيش ودعم سريع، بل صراعاً أوسع على الدولة والسلطة وشكل النظام السياسي بعد الحرب.
وفي هذا الصراع، يدفع المواطن الثمن الأكبر.
33.7 مليون إنسان يحتاجون إلى المساعدة، ملايين نزحوا، والأطفال يواجهون سوء التغذية، والاقتصاد ينهار، والأسواق تعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية؛ بينما لم تصل القوى المتصارعة بعد إلى اتفاق ينهي الحرب.
وبينما يصر قائد الجيش وحلفاؤه الإسلاميون على مواصلة القتال حتى تحقيق أهدافهم، تتمسك قوى مدنية بضرورة وقف الحرب أولاً قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية، ويحذر محللون سياسيون من أن تحويل الحوار إلى بديل عن وقف إطلاق النار قد يؤدي إلى تثبيت واقع الحرب بدلاً من إنهائه.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من سينتصر في الحرب؟
بل: ماذا يتبقى من السودان إذا استمرت الحرب حتى تنتصر السلطة على الدولة، وانتصر الجوع على المواطن؟
ففي بلد أنهكته الحرب، تصبح شرعية أي سلطة مرتبطة أولاً بقدرتها على حماية حياة السودانيين، لا بقدرتها على البقاء في الحكم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.