ليست العزلة الدولية مجرد مصطلح سياسي يُتداول في نشرات الأخبار، ولا هي عقوبات تُكتب على ورق في مكاتب الأمم المتحدة.
ونقول إن غياب الوعي الشعبي والانسياق الأعمى وراء الشعارات البراقة كان ولا يزال الثغرة الأكبر التي دفعت بالسودان نحو منزلقات خطيرة، دفع المواطن البسيط ثمنها الباهظ من أمنه وقوته اليومي. ففي محطات سياسية عديدة، تم استغلال العواطف وتزييف الوعي بشعارات رنانة فارغة من البرامج الحقيقية، مما قاد البلاد إلى صراعات داخلية دمرت البنية التحتية، ومزقت النسيج الاجتماعي، وأدخلت الدولة في نفق العزلة الدولية المظلم.
العزلة في السودان اليوم أصبحت رغيف خبز ناقصًا، ومدرسة مغلقة، ومستشفى بلا دواء، وجواز سفر مرفوضًا في مطارات العالم.
منذ أن اختار البرهان أن يضع مصير 45 مليون سوداني رهينة لبقائه على كرسي السلطة، وتحالف من خلفه تنظيم الكيزان، الذي يحلم بالعودة من شباك الحرب بعد أن طرده الشعب من الباب، دخل السودان في نفق عزلة لم يشهدها حتى في سنوات البشير الأخيرة.
المواطن هو من يدفع الثمن.. وليس الجنرال
هم الآن يعيشون في بورتسودان، تحرسهم الكتائب وتُفتح لهم القصور، أما المواطن فهو مشرد ونازح ولاجئ في دول الجوار، وهو من يدفع فاتورة هذه العزلة.
آلاف المدارس السودانية استُغلت مآوى للنازحين، وأُغلقت في الخارج لأنها بلا اعتراف، والجامعات متوقفة. جيل كامل سيكبر أميًا لأن الكيزان قرروا أن الحرب أهم من السبورة.
السودان معزول بنكيًا؛ لا تحويلات، ولا استيراد للدواء. مستشفيات الخرطوم تعمل بـ10% من طاقتها، ومرضى الفشل الكلوي والسرطان يموتون بصمت، لأن شركات الدواء العالمية لا تتعامل مع دولة مصنفة كمنطقة حرب ويحكمها نظام غير شرعي، لأنهم يعالجون في أفضل مستشفيات الخارج، والمواطن يعالج بالحلبة والمحاية.
لا مستثمر أجنبي سيأتي إلى بلد يحكمه جنرال مطلوب للعدالة، ومحاط بفلول نظام إرهابي. العزلة قطعت السودان عن القروض وعن الإغاثة، وأصبحنا نعيش على التسول الإقليمي وفتات المساعدات التي يسرقها الفاسدون في الميناء.
من المستفيد من سودان معزول؟
الجواب: النظام السلطوي وحده.
النظام السلطوي لا يريد دولة منفتحة، ولا يريد رقابة دولية، ولا يريد بنوكًا شفافة، ولا صحافة حرة.
العزلة هي البيئة المثالية للكيزان والجنرالات. في العزلة يمكنهم تهريب الذهب وغسل الأموال وقمع الشعب دون أن يسمع أحد صراخه. دولة معزولة تعني شعبًا جائعًا يفكر في لقمة العيش، لا في الحرية.
الانقلابيون لا يخافون من الدعم السريع فقط، وإنما يخافون من السلام نفسه. السلام سيكشف عورتهم، وسيجردهم من ورقة الحرب التي يبتزون بها العالم، لذلك يفضلون العزلة على التنازل، ويفضلون أن يموت السودانيون جوعًا ومرضًا على أن يوقعوا اتفاقًا يفقدهم السلطة.
السودان لا يحتاج جنرالًا يحميه من العالم، بل يحتاج دولة تحمي المواطن من جنراله.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.