في وقت تتوهم فيه سلطة الأمر الواقع أنها قادرة على إعادة تدوير نفاياتها السياسية وتمليح جراح الوطن بواجهات مدنية هشة ومصنوعة، يخرج صوت الحق الثوري الناصع من قواعد الأرض الحقيقية؛ ليقطع الشك باليقين ويهدم معابد الزيف على رؤوس بنيها. إن البيان الصادر عن لجان مقاومة الثورة بالحارة الثامنة ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو إعلان تحذيرٍ أخير وصرخة مدوية تذكّر الجميع بأن جمرة ديسمبر المجيدة لا تزال تتوهج تحت رماد الحرب، وأن الشعب السوداني لم ولن يخدع مرتين.
لقد ظن تجار الحروب ومهندسو الخراب أن انشغال المواطن بالبحث عن لقمة العيش وسط هذا الانهيار الاقتصادي المريع، وتجرعه لمرارات النزوح والتشرد، سيمهد لهم الطريق لشرعنة شموليتهم وعسكرة الدولة تحت مسميات براقة ولافتات “مدنية” كاذبة. لكن هيهات! إن التحذير الصريح الذي أطلقته لجان المقاومة يصفع هؤلاء المتسلقين ويكشف عورات مشروعهم البائس، مؤكداً أن الاستمرار في تجويع الشعب وعسكرة الحياة العامة لن يورث السلطة الغاشمة إلا مزيداً من السقوط والافتقار لأي مقوم من مقومات البقاء.
إن المخرج الوحيد والكفيل بانتشال البلاد من هذه المحرقة الوطنية لا يكمن في المسرحيات الهزلية والمناورات السياسية للفلول وحكومة بورتسودان، بل في الاستجابة الحتمية لمطالب الشارع الثوري النافذة: إنهاء هذه الحرب اللعينة فوراً، وتفكيك بنية الاستبداد، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية خالية من وصاية العسكر والميليشيات، دولة تتساوى فيها المواطنة وتُصان فيها الحقوق والحريات.
فلتعلم قوى البطش وأمراء الحروب أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى إلى غير رجعة. لن تمر الانتهاكات الجسيمة، ولا دماء الشهداء، ولا دموع النازحين والمهجرين دون حساب عادل وناجز يطال كل من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين أو نهبوا مقدراتهم. إن المحاسبة قادمة لا محالة، والعدالة هي ركيزة السودان القادم.
إلى الذين يراهنون على نسيان الشعب أو خنوعه تحت وطأة السلاح والغلاء: أفيقوا من وهمكم، فالديسمبريون لم يبرحوا خنادق الوعي، وهم قادمون لاسترداد ثورتهم وبناء دولتهم المدنية التي لا تراجع عنها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.