حين تتحول احتفالية لمنصة سياسية للهروب من سؤال الحرب

سيف الدولة كمال

لم يكن المشهد الذي ظهر فيه قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، داخل استاد الخرطوم يوم السبت مجرد فعالية لدعم القطاع الصحي كما قُدِّمت رسمياً. فقد تحولت المناسبة إلى منبر سياسي خاطب من خلاله البرهان قضية امتناع الولايات المتحدة عن منحه تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت كان يفترض أن يكون فيه الحدث موجهاً لقضية صحية وإنسانية. البرهان قال أمام الحشد إنه لا يريد تأشيرة لأي دولة، ولا يحتاج إذناً من أحد، وإن السودان لن يستجيب لما وصفه بالضغط أو الابتزاز. كما أعاد التأكيد على استمرار الحرب، قائلاً إن الهدف هو القضاء على قوات الدعم السريع. لكن اللافت أن المناسبة نفسها، بحسب الرواية الرسمية، كانت لإطلاق مبادرة «ما نسيناكم» لدعم القطاع الصحي، وشارك فيها رياضيون وصناع محتوى وشباب. ومع ذلك، وجد ملف التأشيرة والحرب والسياسة طريقه إلى قلب المناسبة.

رفض الولايات المتحدة منح البرهان التأشيرة لحضور اجتماعات الأمم المتحدة تحول خلال الأيام الماضية إلى أزمة سياسية بين واشنطن والسلطات السودانية. وبحسب تقارير رويترز، فإن مصادر سودانية وغربية ربطت قرار واشنطن بموقف البرهان من مقترح أمريكي لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً. كما قال المبعوث الأمريكي مسعد بولس لاحقاً إن عدم وجود البرهان في نيويورك كان رسالة تعكس عدم رضا واشنطن عن موقف قيادة الجيش. وفي المقابل، نفت الخرطوم أن تكون مستعدة للخضوع للضغط، بينما أعلن البرهان من استاد الخرطوم أنه لا يحتاج إلى تأشيرة ولا إذن من أي دولة. وهكذا انتقل النقاش من ماذا ستفعل القيادة السودانية لإنهاء الحرب؟ إلى لماذا لم تمنح واشنطن البرهان التأشيرة؟

وهذه بالضبط هي النقطة التي تستحق التوقف. فالسوداني الذي يواجه انهيار العملة وارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات ونقص الغذاء لا تبدو له أزمة التأشيرة أولوية. الأولوية هي: متى تنتهي الحرب؟ ومتى يعود أبناؤه إلى بيوتهم؟ ومتى تعود المدارس والمستشفيات والأسواق إلى العمل؟

من حق أي سلطة أن تخاطب مواطنيها، ومن حق أي مواطن أن يؤيدها أو ينتقدها. لكن استخدام فعالية جماهيرية ذات عنوان صحي لتحويلها إلى منصة للرد على واشنطن يفتح سؤالاً حول طبيعة الرسالة التي أرادت القيادة إرسالها. هل المطلوب كان إظهار أن هناك إجماعاً شعبياً حول موقف القيادة من الولايات المتحدة؟ أم أن المطلوب كان تقديم صورة عن وجود سند جماهيري في الداخل، في لحظة تتعرض فيها السلطة لضغوط دولية متزايدة بسبب الحرب؟ لا يمكن الجزم بنوايا منظمي الفعالية من دون أدلة مستقلة. لكن المؤكد أن الخطاب الذي خرج من استاد الخرطوم كان سياسياً بامتياز، ولم يقتصر على القضية الصحية التي حملتها المبادرة.

والأكثر أهمية أن الحشد الجماهيري لا يمكن، بذاته، أن يكون بديلاً عن استطلاع مستقل للرأي العام السوداني، خصوصاً في بلد يعيش حرباً ونزوحاً وانقساماً جغرافياً وسياسياً واسعاً. ترتيبات لإظهار حشد مؤيد للبرهان عقب صلاة الجمعة لم تحقق الهدف المطلوب، وأن فعالية استاد الخرطوم جاءت لاحقاً لتعويض ذلك.

السودانيون يعيشون منذ أبريل 2023 حرباً خلفت واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم. ومع انهيار الاقتصاد وتراجع الخدمات، أصبحت كلفة استمرار الحرب أكبر من قدرة المجتمع على الاحتمال. وفي هذه الظروف، فإن الرسالة الأكثر إلحاحاً ليست: “لن ننحني لأمريكا”. الرسالة التي ينتظرها المواطن هي: كيف سنوقف الحرب؟ كيف ستتوقف الطائرات عن قصف المدن؟ كيف سيعود النازحون؟ كيف ستعود المدارس؟ كيف ستعمل المستشفيات؟ كيف ستتوقف عجلة الاقتصاد عن الانهيار؟ وكيف ستُفتح الطريق أمام عملية سياسية تنهي حكم البندقية وتعيد القرار إلى مؤسسات مدنية؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.