بينما يخوض السودان حرباً أنهكت الدولة والمجتمع، تبدو معركة قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وكأنها تجاوزت ميدان القتال إلى معركة أخرى أكثر خصوصية، مرتبطة بطموح قائد الجيش في تثبيت السلطة وإعادة إنتاج شرعية سياسية مفقودة، في ظل تحالفات عسكرية وسياسية تثير جدلاً واسعاً، وفي مقدمتها العلاقة المتنامية مع الإسلاميين والكتائب ذات الخلفية الجهادية.
المفارقة الأكثر قسوة أن هذه المعركة على السلطة تجري في بلد بات فيه راتب المعلم، وفق بيانات حديثة، لا يتجاوز في بعض الحالات نحو 18 إلى 20 دولاراً شهرياً.
فقد كشفت شهادة راتب رسمية لمعلم في ولاية الخرطوم أن صافي راتب معلم بالدرجة الرابعة بلغ 138,968 جنيهاً في أغسطس 2026، أي نحو 17.25 دولاراً وفق سعر الصرف الموازي المستخدم في التقرير. كما قالت لجنة المعلمين السودانيين إن متوسط راتب المعلم يبلغ نحو 128,125 جنيهاً، بما يعادل 19.70 دولاراً، ولا يغطي سوى نحو 3% من تكلفة المعيشة الأساسية لأسرة من خمسة أفراد.
هنا تبرز المفارقة السياسية والأخلاقية: أي دولة يمكن أن تتحدث عن تثبيت شرعيتها بينما يعجز جهازها التعليمي عن توفير الحد الأدنى من الحياة لمعلميه؟
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكتفِ بتدمير المدن والبنية التحتية والأسواق، بل أصابت الوظيفة العامة نفسها في مقتل. وأصبح العامل الذي يفترض أن يمثل الدولة أمام المواطن عاجزاً عن تأمين احتياجات أسرته الأساسية.
وفي يونيو الماضي، شهدت ولايات الخرطوم وكسلا والجزيرة تحركات وإضرابات للمعلمين احتجاجاً على ضعف الأجور وتأخر المستحقات وتدهور الظروف المعيشية.
في الواقع، تشير دراسات وتقارير بحثية إلى أن علاقة قيادة الجيش بالإسلاميين أصبحت أحد المكونات المهمة في بنية التحالف العسكري خلال الحرب.
فدراسة لمعهد كونراد أديناور وصفت العلاقة بين البرهان وشخصيات من النظام السابق والحركة الإسلامية بأنها بدأت منذ انقلاب 2021، ثم تعززت بعد اندلاع الحرب، فيما وثقت تقارير أخرى مشاركة كتائب ذات صلات بالحركة الإسلامية في العمليات العسكرية إلى جانب القوات المسلحة.
وتبرز كتيبة البراء بن مالك بوصفها المثال الأكثر إثارة للجدل. ووفق تحليل مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، فإن الكتيبة ذات جذور مرتبطة بشبكات النظام السابق، وتحولت خلال الحرب إلى قوة مسلحة فاعلة ضمن المعسكر المؤيد للجيش. كما تشير دراسة ACLED إلى أن الكتيبة استفادت من علاقاتها مع قيادات في القوات المسلحة، وقدرت عدد مقاتليها بنحو 20 ألفاً في مرحلة سابقة من الحرب.
لكن البرهان نفسه نفى، في مارس 2026، وجود ارتباط بين الجيش والحركة الإسلامية، بما فيها حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وذلك في أعقاب تصاعد الضغوط الدولية بشأن نفوذ الإسلاميين داخل بنية الدولة والجيش.
هذه المفارقة بين النفي السياسي والوقائع الميدانية التي توثق تحالفات مع كتائب الحركة الإسلامية تفتح سؤالاً أكبر من مجرد هوية الحلفاء: هل أصبح استمرار الحرب أداة لإعادة بناء مركز سياسي جديد حول المؤسسة العسكرية وحلفائها، بدلاً من العودة إلى مسار مدني انتقالي؟
المشكلة لا تتوقف عند الإسلاميين. فالحرب نفسها أدت إلى تفكك المشهد الأمني إلى عشرات التشكيلات المسلحة.
ويشير مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى وجود نحو 150 جماعة مسلحة فاعلة في النزاع، تضم قوات نظامية وشبه عسكرية وميليشيات قبلية وكتائب إسلامية ومجموعات دفاع محلية وغيرها. وهذا يعني أن الدولة التي يفترض أن تستعيد احتكار القوة تواجه واقعاً معاكساً: توسع شبكات القوة المسلحة خارج البنية المؤسسية للدولة.
اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر قتامة. فقد فقد الجنيه السوداني نحو نصف قيمته في مناطق سيطرة الجيش منذ بداية صيف 2026، بينما وصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7,500 جنيه، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو، وفق رويترز. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر بصورة حادة.
وفي هذه البيئة، يصبح راتب المعلم الذي يدور حول 18 إلى 20 دولاراً شهرياً ليس مجرد رقم اقتصادي، بل مؤشراً سياسياً على ترتيب الأولويات داخل الدولة.
فالسلطة التي تستطيع إدارة حرب ممتدة، وتعبئة تشكيلات مسلحة، وإدارة موارد ضخمة للقتال، تواجه في الوقت نفسه عجزاً عن ضمان دخل لائق لمن يعلّم أبناء المجتمع. وهنا تتولد واحدة من أكثر مفارقات الحرب السودانية إيلاماً: الدولة تنفق على استمرار الصراع، بينما يتآكل أحد أهم أعمدة بقائها المدني.
وتزداد أزمة الشرعية تعقيداً على المستوى الدولي. ففي سبتمبر 2026، قال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وقادتهما لا يمثلون «حكماً شرعياً دستورياً» للسودان، في موقف عكس حجم الأزمة التي تواجهها السلطة القائمة في بورتسودان. كما ربطت واشنطن منح البرهان تأشيرة حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بقبول مقترح هدنة لمدة 90 يوماً، وفق مصادر نقلتها رويترز.
وبذلك، لا تبدو أزمة البرهان مجرد خلاف مع خصم عسكري في الطرف الآخر من الحرب. إنها أزمة أوسع تتعلق بالسؤال: ما شكل الدولة التي ستخرج من الحرب؟
إذا كان تثبيت السلطة يقوم على تحالف بين الجيش وتشكيلات عسكرية عديدة وحلفاء إسلاميين، فإن التحدي بعد الحرب لن يكون فقط إعادة بناء المدن، بل إعادة بناء الدولة نفسها، وتحديد من يملك السلاح، ومن يملك القرار، ومن يدفع فاتورة الحرب.
أما المعلم الذي ينتظر راتبه الهزيل في نهاية الشهر، فلا تعنيه كثيراً معارك الشرعية السياسية بقدر ما يعنيه أن يستطيع شراء الطعام ودفع إيجار المنزل وإرسال أطفاله إلى المدرسة.
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاوزها: قد تتمكن السلطة من كسب جولات عسكرية، لكنها ستظل أمام اختبار أكثر صعوبة؛ تحويل الانتصار العسكري المعلن إلى دولة قادرة على إطعام مواطنيها، ودفع أجور موظفيها، وإعادة التعليم والخدمات، واستعادة ثقة المجتمع.
فالشرعية لا تُبنى بالبنادق وحدها، ولا تُقاس بعدد الكتائب التي تقف خلف سلطة البرهان والإسلاميين. وفي السودان الذي أنهكته الحرب، سيكون معيار الدولة في النهاية أبسط وأكثر قسوة: هل يستطيع المعلم أن يعيش من راتبه؟ وهل يستطيع المواطن أن يرى مستقبله خارج الحرب؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.