بين أنقرة وبكين.. هل تعيد الكتائب الإسلامية ترتيب أوراقها خارج السودان؟

تقرير: عين الحقيقة 

كشفت تقارير إعلامية عن مغادرة عدد من القيادات المنتمية إلى كتيبة “البراء بن مالك” ومجموعات إسلامية متحالفة مع الجيش السوداني إلى خارج البلاد، في تحرك أثار تساؤلات بشأن مستقبل هذه التشكيلات المسلحة، وتوقيت خروج بعض أبرز وجوهها إلى وجهات شملت تركيا والصين، بالتزامن مع تراجع حضورها الإعلامي والميداني خلال الأشهر الأخيرة.

ووفقاً لما أوردته صحيفة العين الإخبارية، فإن المغادرة جاءت بصورة متزامنة مع تغيرات ملحوظة في طبيعة نشاط هذه المجموعات، دون الكشف عن أسماء المغادرين أو أعدادهم. وتشير المعلومات إلى أن جزءاً من القيادات اختار مغادرة السودان، بينما بقيت مجموعات أخرى منخرطة في العمليات العسكرية ضمن ما يعرف بـ”المقاومة الشعبية” والقوات المساندة للجيش.

تحولات داخل المشهد العسكري

يرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس مرحلة جديدة في علاقة الجيش السوداني بالقوى المسلحة غير النظامية التي برزت مع اندلاع الحرب، إذ يبدو أن المؤسسة العسكرية تتجه بصورة متزايدة إلى إعادة تنظيم القوى المساندة لها ضمن أطر أكثر انضباطاً، بما يقلل من تعدد مراكز القرار العسكري ويحسن صورة الجيش أمام المجتمعين الإقليمي والدولي. ويشير محللون إلى أن التراجع الملحوظ في ظهور قيادات “البراء بن مالك” إعلامياً قد لا يكون مجرد صدفة، وإنما قد يرتبط بإعادة توزيع الأدوار داخل المعسكر المؤيد للجيش، في ظل الضغوط السياسية والدبلوماسية المتزايدة المرتبطة بالحرب.

إعادة هيكلة أم تخفيف الضغوط؟

يرى المحلل السياسي والإستراتيجي د. إبراهيم الهندي أن تراجع الظهور العلني لكتيبة “البراء بن مالك” يعكس، في جانب منه، توجهاً من قيادة الجيش نحو تعزيز الطابع المؤسسي للعمليات العسكرية. ويقول الهندي إن “قيادة الجيش تسعى إلى دمج المبادرات العسكرية المساندة تحت مظلة أكثر رسمية، بما يحد من الحساسيات السياسية المرتبطة بوجود تشكيلات ذات خلفيات أيديولوجية، خاصة في ظل المتابعة الدولية لمسار الحرب السودانية.” ويضيف أن هذا التوجه قد يساعد المؤسسة العسكرية على تقديم نفسها باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن إدارة العمليات، وهو أمر يكتسب أهمية في أي ترتيبات سياسية أو تفاوضية مستقبلية.

من جهته، يرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية عثمان المبارك أن مغادرة بعض القيادات إلى تركيا أو الصين يمكن قراءتها في إطار إعادة التموضع، وليس بالضرورة الانسحاب النهائي من المشهد. ويشير إلى أن “التحرك نحو عواصم خارجية قد يرتبط بمحاولات لإعادة ترتيب الشبكات التنظيمية، أو البحث عن فرص للتواصل السياسي والاقتصادي، أو الابتعاد مؤقتاً عن الضغوط الأمنية والعسكرية داخل السودان.” ويضيف أن اختيار تركيا قد يرتبط بوجود علاقات تاريخية مع بعض التيارات الإسلامية، في حين قد تعكس الوجهة الصينية اعتبارات اقتصادية أو لوجستية أكثر منها سياسية.

بين الضغوط الدولية والحسابات الداخلية

ويرى محللون أن استمرار ارتباط الجيش بتشكيلات ذات مرجعيات أيديولوجية ظل محل اهتمام من أطراف إقليمية ودولية، الأمر الذي قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى إعادة صياغة علاقتها بهذه القوى بما يتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا اتجهت الأزمة نحو مسارات تفاوضية أو تسويات سياسية. وفي المقابل، لا يستبعد مراقبون أن تكون هذه التحركات جزءاً من إستراتيجية تعتمدها بعض المجموعات للحفاظ على كوادرها وإعادة توزيعها خارج مناطق الاشتباك، استعداداً لأي تطورات ميدانية أو سياسية محتملة.

مستقبل العلاقة

تبقى طبيعة العلاقة بين الجيش السوداني والقوى المساندة له أحد أكثر الملفات غموضاً في المشهد السوداني. فبينما تشير بعض المؤشرات إلى سعي المؤسسة العسكرية إلى حصر النشاط العسكري تحت قيادتها المباشرة، لا تزال الكتائب المساندة تحتفظ بهوامش حركة قد تسمح لها بإعادة تنظيم صفوفها أو تغيير أساليب عملها وفقاً لمتغيرات الصراع. ومع استمرار الحرب وتعقّد المشهد السياسي، تبدو مغادرة بعض القيادات إلى الخارج تطوراً يستحق المتابعة، ليس فقط لارتباطه بالوضع الميداني، وإنما لما قد يكشفه مستقبلاً عن شكل التحالفات العسكرية والسياسية التي ستتشكل في السودان خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.