في السودان، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، ولا معركة يمكن اختزالها في خرائط السيطرة وموازين القوة. الحرب تحولت إلى كارثة وطنية مفتوحة، يدفع ثمنها المواطن السوداني كل يوم من دمه وأمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
ولهذا فإن البداية الحقيقية لأي حديث عن مستقبل السودان يجب أن تكون: إيقاف الحرب.
لا يمكن بناء دولة فوق الركام، ولا يمكن الحديث عن انتقال سياسي بينما البنادق تتحدث، ولا يمكن انتظار أن ينتصر طرف عسكرياً حتى يبدأ السودانيون في البحث عن السلام. فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من القتلى والنازحين، ومزيداً من تدمير المدن والبنية التحتية، واتساعاً في دائرة الفقر والجوع والانتهاكات.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن الرهان على الحسم العسكري ليس طريقاً مضموناً للخروج من الأزمة. وحتى عندما تتغير خطوط السيطرة على الأرض، لا يتغير السؤال الأساسي: متى تنتهي الحرب، ومتى يعود السودانيون إلى حياتهم؟
إن استمرار القتال لا يهدد طرفاً سياسياً أو عسكرياً بعينه فقط، بل يهدد الدولة السودانية نفسها. فكلما طال أمد الحرب، تآكلت مؤسسات الدولة، واتسعت مساحات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وأصبح السلاح أكثر حضوراً من القانون، وتراجعت فرص بناء دولة مدنية قادرة على حماية مواطنيها.
ومن الخطأ التعامل مع الدعوات إلى وقف الحرب باعتبارها موقفاً ضد الجيش أو ضد قوات الدعم السريع أو لصالح هذا الطرف أو ذاك. رفض الحرب ليس انحيازاً لأحد؛ بل انحياز للحياة.
السودانيون الذين فقدوا أبناءهم لا يعنيهم كثيراً من يرفع راية النصر إذا كانت بيوتهم قد دمرت، ومدنهم أصبحت ساحات قتال، ومستقبل أطفالهم بات مجهولاً. والنازح الذي يعيش بعيداً عن منزله لا يبحث عن خطاب عسكري جديد، بل يريد طريقاً آمناً للعودة إلى حياته.
لكن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي.
هناك حاجة إلى عملية سياسية جادة تضع مصالح السودان فوق مصالح القوى العسكرية والحزبية والإقليمية، وتفتح الطريق أمام معالجة جذور الأزمة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وضمان عودة النازحين والمهجرين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
كما أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون صفقة بين النخب المسلحة والسياسية بعيداً عن الشعب. يجب أن يكون السودانيون، وفي مقدمتهم القوى المدنية والمجتمعية والشباب والنساء والضحايا، جزءاً أصيلاً من أي عملية سياسية تحدد مستقبل البلاد.
السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي تحت مسميات جديدة. ولا يحتاج إلى عودة الواجهات التي قادت البلاد إلى الاستبداد والحروب والانقسامات. ما يحتاجه هو عقد وطني جديد يضع المواطنة والقانون والعدالة والسلام في مقدمة الأولويات.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كل الأسئلة الأخرى هو: كيف نوقف الحرب؟
بعد ذلك يمكن للسودانيين أن يختلفوا حول شكل الدولة، ونظام الحكم، والاقتصاد، والعلاقة بين المدني والعسكري، ومستقبل المؤسسات. أما أن تستمر الحرب بينما يبحث الجميع عن ترتيبات سياسية، فهذا يعني تأجيل المشكلة وتوسيع فاتورتها.
لقد أنهكت الحرب السودان بما يكفي.
آن الأوان لأن يتوقف إطلاق النار، وأن تتوقف لغة التعبئة والتحريض، وأن تبدأ لغة السياسة. آن الأوان لأن يصبح إنقاذ الإنسان السوداني أولوية تتقدم على الحسابات العسكرية والمصالح السياسية.
البداية ليست معركة جديدة، ولا انتصاراً عسكرياً جديداً. البداية هي إيقاف الحرب.
فإذا كان السودان يريد أن يبدأ من جديد، فعليه أولاً أن يضع السلاح جانباً، ثم يفتح الطريق أمام السلام والعدالة وبناء الدولة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.