الجميل الفاضل يكتب: سؤال المبتدأ جواب الخبر؟ .. وهل بدأ تفكيك محطات تنزُّل الشياطين من جزيرة إبستين؟! (4)

 

لعل الشيطان لا ينزل كما ننزل نحن بأجسادنا.

لعل له خطواتٍ في الخفاء؛ تجعله يهبط من غيب الفكرة إلى لسانها، ومن لسانها إلى سلطانها، حتى إذا اكتمل نزوله، لم يعد أحدٌ يرى الشيطان، إنما يرى زخرفًا جميلًا يقول له: هذا هو الحق.

ألم يقل الكتاب: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾؟

ولعل في «بعضهم» يكمن سر الحكاية كلها: فكرةٌ توحي لفكرة، وقوةٌ تستعير لغةَ الفضيلة، ولغةٌ تفتح للقوة بابًا، إلى أن يصبح الباطل، من فرط ما تأنّق، غير محتاجٍ لأن يكذب.

ولذلك ربما لم يكن صدفةً أن يعود المسيح بشكل مفاجئ إلى هذا المسرح الغريب.

حين قال البابا فرنسيس، في حديثه عن جدار ترامب، إن من لا يفكر إلا في بناء الجدران وينسى بناء الجسور ليس مسيحيًا.

جملةٌ صغيرة، قالها زعيم الفاتيكان، حشرت العالم كله بين مفردتين: جدار وجسر.

الجدار يقول: إلى هنا تنتهي أنت، والجسر يقول: من هنا يبدأ الآخر.

ثم جاء الرد من الجهة التي ترى الحماية في القوة، فإذا بالمسيح نفسه ينتقل، في لحظة، من ميزانٍ لقوة الحق، إلى شيءٍ يحتاج قوة ترامب الغاشمة كي تحمي حماه على الأرض.

ثم يمضي المشهد، كأن المعنى نفسه يبدّل ثيابه.

المسيح في جهة، وجنكيز خان في الجهة المقابلة.

عندما يستدعي نتنياهو التاريخ ليضع النبي والقائد في كفتي ميزان واحد، وهو يقول: «لا ميزة للسيد المسيح على جنكيز خان».

وإلا فماذا يفعل الخير إذا لم يملك القوة التي تمنع الشر من ابتلاعه؟

وعندها، من وراء القرون، ينهض أبو تمام قائلاً:

«السيف أصدق أنباءً من الكتبِ

في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ»

يا لهذا السيف، فقد كان، في القصيدة، شاهدًا على ما يقع؛ ثم بأسرع ما يمكن صار هذا الشاهد يطلب لنفسه عرش القاضي.

حينئذٍ لا يعود السيف يكتب الخبر، لكنه يبدأ – كما يظن الشاعر – في كتابة الحقيقة كلها.

وفي السودان، كان لابد للمعنى أن ينزل أكثر، من السيف إلى البندقية.

حين قال الجنرال برهان قولته الفجة: «المجد للبندقية».

كأن المجد نفسه، بعد أن فارق السماء، وجد له فوهة نار، وخيط دخان.

ثم يأتي السيليكون، حيث لا دخان، ولا نار، ولا دماء.

كان مجرد شريحة صغيرة، ووعد كبير أطلقه إيلون ماسك: مؤكدًا أن الآلة قادرة على استعادة ما غاب من البصر والحركة، في معجزة لا تقل عن معجزات السيد المسيح.

لنجد أنفسنا أمام آية قرآنية تقول لكل هؤلاء بلا أدنى مواربة: «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن».

ثم ليصبح للمشهد أربع لغات: جدار يحمي، وسيف يحسم، وبندقية تُمجَّد، وسيليكون يرتقي مقام الأنبياء.

وهنا ربما أضحى الخطر ليس في ما تستطيع الأشياء أن تفعله، لكن في اللحظة التي تنسى فيها هذه الأشياء أن القدرة وحدها ليست حكمة، وأن الغلبة لا تمنح حقًا، وأن المعجزة ليست اسمًا آخر للتكنولوجيا.

ذلك هو بالضبط «زخرف القول» عندما يكتمل: أن يأخذ كل شيءٍ شيئًا من الحق، ثم يطلب بوحي من مُزخرفٍ مغرور، أن يرث الحق بإطلاقه، وهنا ربما يعود السؤال إلى مبتدئه الأول:

هل تنضج حكمة الإنسان بذات السرعة والدرجة التي تنضج بها قدرته؟

إنه سؤالٌ يبدو بعيدًا عن السودان، ثم لا يلبث أن يجد نفسه في قلبه، بمثاقيل ذرات من خردل، صارت بوحي أرعن سلاحًا فتاكًا يُدان به السلطان هنا.

فأيُّ بلدٍ أرهقته البندقية يعرف أن السؤال ليس: من الأقوى؟ لكن: من يقود مثل هذه القوة من ورائها، وإلى أي مصير سيرمي بها دون أن يطرف له جفن؟

إذ حين تصبح البندقية هي المجد، يمضي الإنسان تابعًا لسلاحه؛ وعندما يصبح السلاح طريقًا إلى الدولة، تضحي الدولة نفسها آخر غنائم الحرب.

ولعل أخطر تنزّلٍ ليس أن ينزل الشيطان بأي أرض، إنما أن يصعد الإنسان بالقوة إلى مقامٍ ليس لها.

هناك، في تلك اللحظة التي تستبدل فيها القوةُ الميزان، تصبح القدرة أعلى من الحكمة، ويضحى المجدُ فوق الرحمة، ليبدأ السؤال الحقيقي: من الذي أخذ بتلابيب الإنسان إلى هذه الغفلة الكبرى: أهو الإنسان، أو ما صنعت يداه، أم الشيطان ذلك الكائن الملتبس، القابع وراء هذه الأكمة؟

وعندها ربما كان جواب الخبر، هو ذاته الخبر، مكتوبًا على مضغة صغيرة لا تبلغها بندقية، ولا تخترقها شريحة، ولا تحرسها جدران: مضغة هي قلب سليم، من أتى به إلى ربه فقد جاء، قبل سواه ودون غيره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.