دخلت الأزمة الإثيوبية مرحلة أكثر حساسية مع تجدد القتال في إقليم تيغراي، وتشكيل تحالف مسلح واسع يضم قوى كانت متصارعة في الحرب السابقة، بالتزامن مع اتهامات وجهها رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، إلى مصر والسودان وأطراف أخرى بتقديم دعم لجماعات مناوئة للحكومة في أديس أبابا. وتأتي هذه الاتهامات في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تحولات أمنية متسارعة، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تجدد الحرب في تيغراي إلى توسيع دائرة الصراع وتداعياته على السودان والحدود الإثيوبية ـ السودانية ومنطقة البحر الأحمر.
اتهامات
وقال جولا، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام تابعة للجيش الإثيوبي، إن تحالفاً جديداً يضم جماعات مسلحة وسياسية يحصل، بحسب تقديره، على دعم وتجهيز من جهات خارجية، مشيراً إلى مصر والسودان وأطراف أخرى. وأضاف أن جبهة تحرير شعب تيغراي وإريتريا لا تملكان، منفردتين، القدرة على تشكيل تهديد مؤثر من دون دعم خارجي. لكن هذه الاتهامات، حتى الآن، لم تؤكدها جهة مستقلة بصورة حاسمة، كما لم تقدم المصادر المتاحة أدلة علنية تثبت تورط القاهرة أو الخرطوم في دعم التحالف الجديد. وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في ظل حساسية العلاقات الإثيوبية مع البلدين، وتداخل الملفات الأمنية والحدودية ومياه النيل والحرب السودانية. كما أن تصريحات المسؤول العسكري الإثيوبي تأتي في سياق سياسي وأمني شديد التوتر، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها اتهامات صادرة عن طرف في الصراع وليست حقائق مثبتة بصورة مستقلة.
تحالف الخصوم
في 20 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة وسياسية تشكيل ما أطلقت عليه «التحالف الإثيوبي لقوى الشعب من أجل البقاء». ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، إضافة إلى جماعات من أقاليم عفار وبني شنقول ـ قمز والصومال الإثيوبي. وأعلن التحالف أن هدفه إزالة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وفتح الطريق أمام حكومة انتقالية شاملة. واللافت في التحالف الجديد أنه يجمع قوى تحمل أجندات ومصالح متباينة، بل إن بعضها كان على طرفي نقيض في حرب تيغراي السابقة. ويشير تحليل لمشروع Critical Threats إلى وجود خلافات عميقة بين مكونات التحالف بشأن الأرض ونظام الحكم والفيدرالية وتقاسم السلطة، خصوصاً بين فانو وجبهة تحرير تيغراي وجيش تحرير أورومو. وهذا يعني أن الإعلان عن التحالف لا يكفي وحده لإثبات وجود قيادة عسكرية موحدة أو قدرة عملياتية مشتركة على مستوى البلاد.
اتفاق بريتوريا أمام اختبار جديد
يمثل التصعيد الحالي أخطر اختبار منذ توقيع اتفاق السلام في بريتوريا في نوفمبر 2022، الذي أنهى الحرب السابقة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي. وبعد سنوات من الهدوء النسبي، عادت المواجهات خلال 2026، قبل أن تتحول في سبتمبر إلى تصعيد واسع شمل مناطق عدة. وترى تقارير دولية أن القتال الأخير ألحق ضربة قوية بالترتيبات التي أوقف بها اتفاق بريتوريا الحرب السابقة، وسط مخاوف من انزلاق البلاد مجدداً إلى نزاع واسع النطاق.
خبير في شؤون القرن الأفريقي: الخطر يتجاوز تيغراي
وحذر الباحث البريطاني المتخصص في القرن الأفريقي مارتن بلوت، في حديث لقناة DW، من أن تجدد القتال في تيغراي يحمل مخاطر تتجاوز حدود الإقليم، خصوصاً مع اتساع المواجهات إلى عفار وأمهرة وتداخل المصالح الإقليمية. وتأتي أهمية هذا التقدير من أن تيغراي تقع في منطقة شديدة الحساسية جغرافياً، على تماس مع إريتريا والسودان، فيما ترتبط تطوراتها بصورة مباشرة بتوازنات الأمن في القرن الأفريقي. ومن منظور «عين الحقيقة»، فإن إعادة فتح جبهة تيغراي في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن شبكة الصراعات الإقليمية الممتدة من السودان إلى البحر الأحمر، لكن ذلك لا يعني تلقائياً صحة الاتهامات الإثيوبية ضد كل دولة أو طرف ورد اسمه فيها.
السودان ومصر على الخط
هنا تصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة للخرطوم. فالسودان وإثيوبيا يشتركان في حدود طويلة ومناطق نزاع ومصالح اقتصادية وأمنية متداخلة، بينما يعيش السودان نفسه حرباً منذ أبريل 2023. كما أن الحرب السودانية جعلت المناطق الحدودية أكثر هشاشة، وفتحت المجال أمام تحركات عسكرية وعمليات عبور وتجارة وسلاسل إمداد عابرة للحدود. وتشير تحليلات أمنية حديثة إلى وجود تداخل بين الصراع في شرق السودان والتطورات في غرب إثيوبيا وتيغراي، بما في ذلك تحركات مرتبطة بجماعات مسلحة وشبكات دعم في المنطقة. لكن هذه المعطيات لا تثبت بحد ذاتها الاتهامات المحددة التي وجهها رئيس الأركان الإثيوبي إلى الحكومة السودانية. ومن ثم، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو انتقال التوتر السياسي بين أديس أبابا والخرطوم إلى اتهامات أمنية متبادلة، في وقت يعاني فيه البلدان أصلاً من أزمات داخلية عميقة.
مصر، فإن علاقتها بإثيوبيا ظلت متوترة بصورة خاصة بسبب ملف سد النهضة والنيل الأزرق. وقد شهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الماضية تبادلاً للاتهامات والمواقف الحادة حول إدارة الموارد المائية والأمن الإقليمي. ولهذا فإن إدخال القاهرة في خطاب الاتهامات الإثيوبية الحالية يضيف بعداً جيوسياسياً إلى أزمة تيغراي، حتى وإن لم تتوافر أدلة مستقلة تثبت تقديم مصر دعماً للتحالف الجديد. والأهم هنا هو الفصل بين وجود خلافات استراتيجية حقيقية بين الدول وبين إثبات تورط دولة بعينها في دعم عمل عسكري محدد.
بالنسبة للسودان، تكمن الخطورة في أن يجد نفسه أمام أزمة إقليمية جديدة في وقت لم تنتهِ فيه حربه الداخلية. فأي توسع للقتال في تيغراي أو المناطق الحدودية قد يفرض تحديات إضافية تتعلق باللاجئين، وحركة السلاح والمقاتلين، وأمن الحدود، والتجارة، والمساعدات الإنسانية. كما أن الحدود السودانية ـ الإثيوبية ليست مجرد خط جغرافي؛ فهي منطقة تتداخل فيها قضايا الفشقة، والزراعة، والهجرة، والتجارة، والأمن، والنزاعات المحلية. ولهذا فإن تجدد الحرب في شمال إثيوبيا يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على السودان حتى دون أن يكون طرفاً مباشراً في الصراع.
بين الاتهام والدليل
المشهد الحالي يحمل ثلاث حقائق متزامنة: الأولى: هناك تصعيد عسكري حقيقي في تيغراي، وسيطرة قوات تيغراي على مطارات في الإقليم وتعليق الرحلات الجوية، مع امتداد القتال إلى مناطق مجاورة. الثانية: هناك تحالف جديد يضم سبع جماعات مسلحة وسياسية أعلنت صراحة هدفها تغيير الحكومة وإنشاء ترتيبات انتقالية. الثالثة: هناك اتهامات إثيوبية لدول مجاورة بتقديم دعم خارجي، لكن الأدلة العلنية المستقلة التي تثبت هذه الاتهامات ما تزال غير متاحة بصورة كافية. وهذه النقطة الأخيرة ليست تفصيلاً صحفياً؛ بل هي جوهر القصة. ففي بيئة شديدة الاستقطاب، يمكن للاتهام غير المثبت أن يتحول سريعاً إلى ذريعة لتصعيد دبلوماسي أو أمني جديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.