حمدوك يواجه البرهان والإسلاميين بمعركة السلام الدولية

تقرير: عين الحقيقة

في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية وتتفاقم تداعياتها الإنسانية والسياسية، كثّف تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود» تحركاته السياسية والدبلوماسية، مستفيداً من اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة لطرح رؤيته بشأن وقف الحرب، وتعزيز الهدنة الإنسانية، وفتح الطريق أمام عملية سياسية تقود إلى حكم مدني ديمقراطي.

ويبرز رئيس الوزراء السابق ورئيس «صمود»، د. عبد الله حمدوك، في واجهة هذه التحركات، من خلال سلسلة لقاءات مع مسؤولين أمميين ودوليين في نيويورك، بحث خلالها وفد القوى المدنية سبل وقف القتال، وتنسيق الجهود الدولية، ومعالجة الأزمة الإنسانية، ومستقبل العملية السياسية في السودان.

وخلال الأيام الماضية، التقى وفد القوى المدنية، برئاسة حمدوك، روزماري ديكارلو، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، حيث أطلعها على تطورات الأوضاع في السودان، في ظل تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعة المواجهات وتزايد الاحتياجات الإنسانية والغذائية.

وأكدت ديكارلو، خلال اللقاء، استمرار مكتبها في دعم جهود السلام في السودان، وتقديم ما يتاح من خبرات فنية وتقنية للمساعدة في دفع عملية السلام، وصولاً إلى سلام دائم واستقرار في البلاد.

كما عقد الوفد اجتماعاً مع كيرت ستوكل-شتريفلد، المدير العام لدائرة أفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية الألمانية، تناول الأوضاع الإنسانية والسياسية في السودان، وضرورة تنسيق الجهود الدولية للتوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة ودون شروط.

وشدد الوفد، خلال اللقاء، على أهمية الاجتماع المشترك بين الرباعية والخماسية، باعتباره خطوة يمكن أن تسهم في الربط بين ترتيبات وقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية والمسار السياسي، إلى جانب معالجة قضايا العدالة والمحاسبة ومستقبل الحكم في البلاد.

وأعرب المسؤول الألماني عن تقديره للجهود التي تبذلها القوى المدنية لتوسيع الجبهة الرافضة للحرب وتعزيز خيار التحول المدني، مؤكداً استمرار بلاده في دعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام في السودان.

«صمود»: لا شرعية تُفرض بالسلاح

في موازاة التحرك الدبلوماسي، يواصل «صمود» التأكيد على موقفه الرافض للحل العسكري، داعياً طرفي الحرب إلى الاستجابة الفورية للهدنة الإنسانية ووقف الأعمال العدائية، باعتبار ذلك مدخلاً إلى وقف شامل لإطلاق النار وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

ويؤكد التحالف أن وقف الحرب يجب أن يتبعه مسار سياسي «ذي مصداقية» يملكه ويقوده السودانيون، بعيداً عن فرض نتائج سياسية بواسطة القوة العسكرية.

وجدد «صمود» موقفه الرافض لأي سلطة تنتجها الحرب أو تُفرض بالقوة المسلحة، مؤكداً أن الشرعية السياسية، وفق رؤيته، لا تُكتسب عبر السيطرة العسكرية، وإنما عبر إرادة السودانيين والانتقال إلى نظام مدني ديمقراطي.

ويتسق هذا الموقف مع تصريحات القيادي في التحالف ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، خالد عمر يوسف، الذي أكد أن رفض القوى المدنية لا يستهدف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وحده، وإنما يشمل قادة طرفي القتال، مشدداً على أن «لا شرعية تُكتسب بالبنادق».

مواجهة سياسية مع الإسلاميين

وتضع هذه المواقف «صمود» والقوى المدنية في مواجهة سياسية حادة مع التيارات المؤيدة لاستمرار الحرب، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية وقيادات سياسية وإعلامية داعمة لمعسكر الجيش.

وخلال الأعوام الماضية، تعرض حمدوك وقيادات القوى المدنية لحملات انتقاد وتشويه، واتهامات بالعمالة والخيانة والارتهان للخارج، خصوصاً بسبب تحركاتهم الدولية ومواقفهم الرافضة للحل العسكري.

وتقدم القوى المدنية هذه الاتهامات باعتبارها جزءاً من حملة سياسية تستهدف مواقفها المطالبة بوقف الحرب وإبعاد السلاح عن صناعة القرار السياسي، بينما ترى الحركة الإسلامية أن تحركات القوى المدنية الخارجية تفتح الباب أمام ضغوط وتدخلات دولية في الشأن السوداني، وتشكل، وفق موقفها، تهديداً على عودتها إلى السلطة.

وبين الموقفين، يستمر الخلاف حول طبيعة المرحلة المقبلة، ومن يملك حق تحديد شكل الدولة بعد الحرب، وما إذا كان المسار السياسي سيبدأ من واقع موازين القوة العسكرية، أم من عملية تفاوضية تسبقها هدنة ووقف لإطلاق النار.

حمدوك ومسار دولي موازٍ

ويضع «صمود» في مقدمة أولوياته توحيد الجهود الدولية والإقليمية الداعية إلى وقف الحرب، وربط المسار الإنساني بالمسار السياسي، بما يسمح بمعالجة قضايا ما بعد الحرب، من إعادة بناء مؤسسات الدولة إلى العدالة والمحاسبة والانتقال المدني.

ويرى التحالف أن استمرار القتال لن ينتج حلاً مستقراً، وأن أي تسوية سياسية تحتاج إلى معالجة جذور الأزمة ومنع إعادة إنتاج دورة الانقلابات والحروب.

ويسعى حمدوك، من خلال لقاءاته في نيويورك، إلى تقديم رؤية القوى المدنية إلى الأطراف الدولية الفاعلة، والتأكيد على أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنما بداية لمسار سياسي أوسع يعيد تأسيس الدولة على قواعد مدنية وديمقراطية.

وفي المقابل، تسعى قيادة الجيش السوداني، بقيادة البرهان، والحركة الإسلامية إلى طرح رؤيتهما الخاصة لإنهاء الحرب، والتي تتضمن، وفق هذا الطرح، التركيز على الحسم العسكري، بمعزل عن الترتيبات السياسية التي تطرحها القوى المدنية في تحالف «صمود» و«إعلان المبادئ».

لكن الخلاف الأساسي بين المسارين يتمثل في ترتيب الأولويات وشكل العملية السياسية والجهات التي ينبغي أن تشارك فيها، إضافة إلى قضية العلاقة المتوترة بين الجيش والإسلاميين من جهة، والقوى المدنية المناهضة للحرب، «صمود» و«إعلان المبادئ»، من جهة أخرى.

ومع استمرار الحرب منذ أبريل 2023، تتزايد الضغوط الإنسانية والسياسية على الأطراف السودانية والمجتمع الدولي، فيما يدفع ملايين المدنيين ثمن استمرار القتال والنزوح وانهيار الخدمات.

وفي هذا السياق، يراهن «صمود» وحمدوك على أن يؤدي تكثيف التحرك الدولي إلى دفع الأطراف نحو هدنة إنسانية، ثم وقف شامل لإطلاق النار، يعقبه مسار سياسي سوداني يعالج قضايا الحكم والعدالة وإعادة بناء الدولة.

وبينما تستمر المواجهة السياسية بين القوى المدنية ومعسكرات الحرب، التي تضم الحركة الإسلامية وقيادات الجيش المتحالفة معها، والقوات المشتركة بقيادة جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، يبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين والمجتمع الدولي هو كيفية تحويل الدعوات المتكررة للسلام إلى إجراءات عملية توقف القتال وتحمي المدنيين وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية مستدامة.

فالمعركة، بالنسبة إلى القوى المدنية في «صمود» و«إعلان المبادئ»، لا تتعلق فقط بمن يربح الحرب، وإنما بمن يحدد شكل السودان بعد توقفها: سودان تحكمه موازين السلاح، أم دولة تُبنى شرعيتها عبر المؤسسات والإرادة الشعبية والانتقال المدني الديمقراطي؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.