حين تعجز الحكومات عن تقديم الحلول، تلجأ إلى أسهل الوسائل وأقبحها: إذلال أصحاب الحقوق. وهذا ما يحدث اليوم مع المعلمين والمعلمات في عدد من الولايات، حيث أصبح التهديد بقطع الرواتب، وإيقاف الحوافز، وممارسة مختلف أشكال الضغوط الإدارية، هو لغة السلطة في مواجهة إضراب مشروع يطالب بالكرامة قبل أن يطالب بالأجر.
ففي ولاية النيل الأبيض، أوقفت حكومة الولاية منحة رئيس الوزراء عن المعلمين الذين شاركوا في الإضراب، ولوّحت بقطع رواتبهم. وفي ولاية الجزيرة، تتصاعد شكاوى المعلمين من الظلم والفساد والمحسوبية، بينما تُمارس عليهم شتى أنواع الضغوط لإجبارهم على كسر إضرابهم.
أما في ولاية كسلا، فقد بلغ الاستخفاف بالمعلم حدًّا غير مسبوق، حين حاول بعض المسؤولين تحميل مجالس الآباء مسؤولية دفع مبالغ مالية للمعلمين لإرغامهم على كسر إضرابهم الشجاع. وهي محاولة لا تعكس سوى عجز حكومة الولاية عن إيجاد حل حقيقي للأزمة، وسعيها إلى نقل مسؤوليتها إلى أولياء الأمور، المثقلين أصلًا بأعباء الحياة. غير أن فطنة المعلمين وشهامتهم أفشلت هذا المخطط؛ إذ رفضوا أن يُحمَّل الآباء أعباءً إضافية، وكشفوا للرأي العام حقيقة المأزق الذي تعيشه حكومة الولاية، حتى اضطرت عمليًا إلى التراجع والاعتراف، بصورة غير مباشرة، بأن لا حل لديها يلوح في الأفق سوى محاولة كسر إرادة المعلمين.
إن هذه الممارسات لا تدل على قرب انفراج الأزمة، بل تشير إلى العكس تمامًا؛ فهي تكشف أن أصحاب القرار لا يملكون حلًا حقيقيًا، وإنما يراهنون على إنهاك المعلمين وإخضاعهم. ولو كان في الأفق حل عادل، لما احتاجوا إلى التهديد والتجويع والإذلال.
ومن هنا، فإن الواجب الأخلاقي والنقابي يحتم على كل المخذلين والمتخاذلين أن يراجعوا مواقفهم، وأن يقفوا في صف زملائهم الذين يدافعون عن كرامة الجميع، لا عن كرامتهم وحدهم. فالمضربون اليوم لا يناضلون من أجل فئة بعينها، وإنما يدافعون عن حق كل معلم ومعلمة، بمن فيهم أولئك الذين منعهم الخوف، أو خدعتهم الوعود، أو أثقلتهم الضغوط.
وليعلم الجميع أن الحل ليس في كسر الإضراب، وإنما في معالجة أسبابه. وكما يردد المعلمون: “الحل في البل”؛ أي في الجلوس إلى مائدة التفاوض الجاد، والاستجابة للمطالب المشروعة، واحترام المعلم، لا في سياسات العقاب الجماعي والإذلال.
كيف يستطيب للمسؤولين أن يُهان المعلم، وهو الذي يحمل رسالة بناء العقول وصناعة الأجيال؟ وكيف يُستصغر من نذر حياته لتعليم أبناء الوطن وتنويرهم؟ إن الأمم التي تُذل معلميها إنما تُذل مستقبلها بأيديها، وتعلن حربًا على العلم والمعرفة والتنمية.
إن حكومة تحارب المعلم في قوته وقوت أسرته، وتظن أن التجويع وسيلة للإدارة، لا يُنتظر منها إلا مزيد من الأزمات. فالفساد لا يُصلح التعليم، والإكراه لا يبني المدارس، والتهديد لا يصنع نهضة، وإذلال المعلم لا يصنع وطنًا.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الحقوق لا تُنتزع بالاستجداء، وإنما بالصبر، ووحدة الصف، والثبات على الموقف. وكلما اشتدت محاولات كسر إرادة المعلمين، ازداد يقين الناس بعدالة قضيتهم، واقتربت ساعة انتصارها.
وفي نهاية المطاف، لن ينتصر إلا الحق، ولن تُكسر الكرامة بالإذلال. وستبقى كرامة المعلم أعلى من كل تهديد، وأقوى من كل قرار جائر. وسيأتي اليوم الذي يدرك فيه الجميع أن احترام المعلم لم يكن منحة من أحد، بل كان واجبًا على الدولة والمجتمع، وأن الطريق إلى نهضة السودان يبدأ من إنصاف معلميه ومعلماته، لا من إذلالهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.