بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب والدمار والنزوح والموت، لم يعد السؤال المطروح أمام السودانيين هو من يحقق تقدماً عسكرياً هنا أو يسيطر على منطقة هناك، بل كيف يمكن إنقاذ ملايين المدنيين الذين وجدوا أنفسهم رهائن لصراع لا يملكون فيه قراراً ولا مصلحة. فبينما تتواصل المعارك وتتصاعد لغة السلاح، تتسع رقعة المعاناة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، وتزداد أعداد الجوعى والمرضى والنازحين يوماً بعد يوم، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.
لقد أصبحت الحاجة إلى هدنة إنسانية شاملة وعاجلة ضرورة وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل أو المساومات السياسية والعسكرية. فالملايين داخل السودان يعيشون أوضاعاً مأساوية؛ مدن تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ومستشفيات عاجزة عن تقديم العلاج، وأطفال حُرموا من التعليم، وأسر بأكملها تكافح من أجل الحصول على وجبة واحدة أو جرعة دواء. وفي مناطق واسعة من البلاد، بات الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية تحدياً يومياً يهدد حياة السكان.
إن أي حديث عن الانتصارات العسكرية يفقد معناه عندما يكون المدنيون هم الخاسر الأكبر. فما قيمة السيطرة على الأرض إذا كانت الطرق مغلقة أمام قوافل الإغاثة؟ وما جدوى استمرار القتال بينما يموت الأطفال بسبب الجوع وسوء التغذية والأمراض التي كان يمكن الوقاية منها؟ إن مسؤولية حماية المدنيين لا تقع على عاتق المنظمات الإنسانية وحدها، بل هي واجب مباشر على جميع الأطراف المتحاربة التي يجب أن تدرك أن حياة الإنسان السوداني يجب أن تكون فوق الحسابات العسكرية والسياسية.
الهدنة الإنسانية المطلوبة ليست هدنة شكلية أو مؤقتة تُستخدم لإعادة التموضع أو تحسين المواقع القتالية، وإنما وقف شامل للعمليات العسكرية يضمن فتح الممرات الآمنة أمام المساعدات الإنسانية، ويتيح للمنظمات المحلية والدولية الوصول إلى المحتاجين دون عوائق أو مخاطر. كما يجب أن تشمل حماية العاملين في المجال الإنساني وتأمين حركة الإمدادات الغذائية والطبية إلى المناطق الأكثر تضرراً من الحرب.
لقد أثبتت التجربة خلال سنوات الصراع أن المدنيين يدفعون الثمن في كل مرة تفشل فيها جهود التهدئة. فكل يوم تتأخر فيه المساعدات يعني مزيداً من الجوع، وكل قافلة تُمنع من الوصول تعني مزيداً من الأرواح المهددة، وكل معركة جديدة تعني موجة نزوح إضافية لعائلات أنهكها التشرد وفقدان الأمان. لذلك فإن الهدنة الإنسانية ليست مطلباً سياسياً لطرف دون آخر، بل حق إنساني لملايين السودانيين الذين يستحقون فرصة للحياة.
إن السودان اليوم بحاجة إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى. بحاجة إلى إرادة تضع الإنسان قبل السلاح، والمواطن قبل الحسابات الضيقة، والمستقبل قبل أوهام الحسم العسكري. فالبلاد التي مزقتها الحرب لن يعيد بناءها الرصاص، وإنما يبدأ طريق تعافيها بحماية المدنيين وإنقاذ الأرواح وفتح أبواب الإغاثة أمام المحتاجين.
إن التاريخ لن يتذكر من كسب جولة عسكرية عابرة، لكنه سيتذكر من وقف إلى جانب شعب يتضور جوعاً ويبحث عن الأمان. ولهذا فإن الهدنة الإنسانية الشاملة لم تعد خياراً مطروحاً بين خيارات عديدة، بل أصبحت واجباً عاجلاً لإنقاذ ما تبقى من السودان، ومنح شعبه المنهك فرصة لالتقاط أنفاسه واستعادة حقه الأساسي في الحياة والكرامة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.