البرهان والعهود المكسورة.. حين تستدعي الوعود ذاكرة الخيبات

عروة الصادق

● كلما تحدث البرهان عن “العهد” و”الوحدة الوطنية” و”حماية المجتمعات المحلية”، عادت الذاكرة السودانية لتسأل: أي عهد يقصد الرجل؟ فالرجل الذي تنقل بين الاتفاقات والتفاهمات والوعود ثم انتهت معظمها إلى الانهيار، تنقل بثقل عقل الليل الذي تمحوه يقظة النهار، يواصل توزيع الوعود كما لو أن الذاكرة الوطنية مصابة بفقدان الذاكرة.

● إشادته الملغومة بأهلنا قبيلة البشاريين ودعوته إلى حل الخلافات القبلية بينها وبين قبائل أخرى وفرض هيبة الدولة تبدو أقرب إلى خطابات سلفه “البشير” في وقت تعجز فيه السلطة عن معالجة جراح الحرب الكبرى، وعن تسمية الأطراف الإقليمية التي تتهمها بالتدخل في السودان بوضوح وحسم، ذكر على استحياء “الجارة الشمالية” فالدولة التي لا تجرؤ على تسمية من تتهمهم بالاعتداء عليها، كيف ستفرض هيبتها على الأسواق والقبائل والنزاعات المحلية؟

● إن قبائل السودان التي زرع الإخوان والبرهان وأجهزته الفتن بينهم قادرين على خلق واقع مشترك للتعايش لأنهم لم يتجردوا من أعراف القبيلة كما فعل الأبالسة الكيزان والبرهان، لأنهم بشاريين على عبابدة على رشايدة على بجا على هدندوة على بني عامر على نوبة على أمرأرا على لحويين على شكرية على كل مكون من مكونات “شرق الله البارد” لا زال لديهم معين حكمة و”كبار” كلمتهم لا يتجاوزها كائن من كان ولو أوكل إليهم أمرهم دون تدخل أجهزة الدولة المسمومة واستخبارات الدول الجارة المشؤومة لما ولغ أحدنا في دم أخيه ولما وطيء لنا تراب.

● السودانيون لا تنقصهم الخطب ولا اللجان المشتركة، لقد سمعوا كثيرًا عن اللجان والتوافقات والمعالجات الجذرية، ما ينقصهم هو الصدق السياسي الذي لا يعرف البرهان سبيله والوفاء بالكلمة التي لم يسبق للبرهان أن علم لها دربا، فالوعود التي لا تسندها أفعال تتحول إلى بيانات موسمية، والعهود التي لا تصمد أمام أول اختبار تفقد قيمتها المعنوية.

● أما أهل الشرق كافة والبشاريون خاصة وكل مكونات السودان وأهلنا في المناطق الأخرى، فقد تعلموا من سنوات الحرب درسًا قاسيًا: الدول تُبنى بالمصداقية والعدالة والشجاعة في اتخاذ المواقف، لا بالتصفيق للوعود ولا بإنتاج خطابات جديدة فوق أنقاض وعود قديمة لم يكتب لها أن ترى النور.

رجل أقل ما يمكن أن يقال عنه مخرب جبان ومحرض .. فحتى وعد التسليح للقبائل عندما عجز عن الإيفاء به قال لهم: “أي زول بقدر يسلح نفسه يسلحها”، صدق فيه قول الله تعالى وفي عصابته المتأسلمة ومخادميه: ﴿فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقࣰا فِی قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ یَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَاۤ أَخۡلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ یَكۡذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٧]

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.