المفارقة المُرّة.. جيشٌ يحمي حدوده وجيشُنا يكتفي بالصمت!

بقلم: مناهل أبوقصيص

في اللحظات المصيرية تتجلى قيمة الجيوش، وتُختبر عقيدتها الوطنية القائمة على حماية الأرض وصون السيادة والدفاع عن المواطنين. لكن المتابع للتطورات الأخيرة والتصريحات الصادرة عن أعلى قيادة في الجيش السوداني يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة تثير الغضب والحسرة في نفوس السودانيين الحريصين على وطنهم.

تكمن المرارة، بل والفضيحة الحقيقية، في مقارنة بسيطة تتعلق بكيفية التعامل مع قضايا الحدود والسيادة. فالمتأمل في المشهد يلاحظ أن الطرف الآخر، أي الجيش المصري، وحتى إذا سلّمنا جدلاً بصحة ما أُثير بشأن استهداف معدّنين سودانيين داخل أراضيه، فإنه يتحرك وفق عقيدة واضحة تقوم على الحسم في حماية حدوده. فهو يبعث برسالة مباشرة إلى شعبه مفادها أن الدولة يقظة، وأن حدودها مصانة، وأن أي اختراق يُواجه بإجراءات حازمة. تلك هي عقيدة الجيوش التي تتعامل مع السيادة باعتبارها خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه.

أما المأساة الحقيقية فتبدأ عندما ننظر إلى الجانب السوداني. ففي الوقت الذي نشهد فيه ذلك الحسم في حماية الحدود لدى الآخرين، ما تزال مناطق سودانية مثل حلايب وشلاتين وأبو رماد خارج السيطرة السودانية، وسط واقع يتحدث عن تغييرات متواصلة في الهوية والإدارة والانتماء. ومع ذلك، لم نشهد موقفاً يتناسب مع حجم القضية، ولا تحركاً يعكس حساسية الملف وأهميته بالنسبة للسيادة الوطنية.

هذه المفارقة تجرح الكبرياء الوطني وتطرح أسئلة مشروعة حول أولويات القيادة العسكرية. فكيف يمكن لجيش أن يتعامل مع قضية بهذا الحجم بقدر كبير من الصمت، بينما تمثل الأرض والسيادة جوهر وجود الدولة نفسها؟ وكيف تُقبل الحسابات السياسية أو المصالح الآنية على حساب حقوق وطنية لا تقبل المساومة؟

إن حماية الحدود ليست مسألة انتقائية، وليست ملفاً يخضع للمجاملات أو التوازنات السياسية. فالدول تُقاس بقدرتها على حماية أراضيها وصون كرامة مواطنيها، والجيوش تُحترم بقدر ما تدافع عن سيادة أوطانها.

اليوم، يحتاج السودانيون إلى جيش يعيد إليهم الشعور بالأمان والثقة، ويجسد معاني السيادة الوطنية بالفعل لا بالشعارات. فالأرض ليست مجرد جغرافيا، بل هي تاريخ وهوية ومستقبل. وعندما يصبح الصمت هو الرد على ضياع الأرض، فإن الخطر لا يهدد الحدود وحدها، بل يهدد فكرة الوطن نفسها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.