الرئيس الذي كان يسكن في آخر الطريق

م. معاوية ماجد

يدخل الطالب السوداني إلى الكلية الحربية وفي ذهنه صورة واضحة للمهنة التي اختارها: الزي، والانضباط، والسلاح، والرتبة، ثم ذلك الطريق الطويل الذي يبدأ من بوابة الكلية ولا يعرف صاحبه، في يومه الأول، إلى أين يمكن أن ينتهي. قد يكون همه أن يصبح ضابطا جيدا، وقد يكون طموحه أن يصعد في سلم الرتب حتى يبلغ أعلاها، وقد لا تكون السياسة في حساباته أصلا. لكن الطريق الذي يدخل إليه ليس جديدا، والمؤسسة التي يبدأ فيها حياته العسكرية ليست صفحة بيضاء؛ خلفها تاريخ طويل من العلاقة الملتبسة بين القوة والدولة، وبين حماية السلطة والوصول إليها.

قبل أن يصبح القصر محطة محتملة في خيال الضابط السوداني، كانت المؤسسة العسكرية نفسها قد قطعت شوطا طويلا حتى أصبحت مؤسسة وطنية. فقد نشأت قوة دفاع السودان في ظل الإدارة الاستعمارية، ثم ورثها السودان المستقل بعد أن تغيرت الدولة التي تخدمها، وتغير العلم الذي ترفعه، وتغيرت الغاية التي يفترض أن تعمل من أجلها. غير أن المؤسسات لا تبدأ من الصفر كلما تغير النظام السياسي؛ تحمل معها شيئا من ذاكرتها، ومن طرائق النظر إلى الأمن والخطر والانضباط والسلطة، حتى حين تتغير الأسماء والرايات.

ولهذا لم تكن السودنة في 1954 مجرد انتقال للقيادة من ضباط بريطانيين إلى ضباط سودانيين. كانت أمام الدولة الجديدة مؤسسة عسكرية لها تاريخ سابق، وعليها أن تجعل منها جيشا لدولة مستقلة، وأن تنقل ولاءها من السلطة التي تدير البلاد إلى الدولة التي يفترض أن تبقى أوسع من كل سلطة. وكان عليها، في الوقت نفسه، أن تعيد تعريف معنى الأمن نفسه: هل وظيفة القوة المسلحة حماية نظام قائم، أم حماية دولة ومجتمع ودستور مهما تغيرت الحكومات؟
لم يكن الواقع السوداني يمنح إجابة سهلة. فالدولة الجديدة ورثت صراعاتها القديمة، ثم دخلت في صراعات جديدة، ووجد الجيش نفسه في مواجهة تمردات وحروب أهلية واضطرابات سياسية. وحين يصبح الداخل نفسه مسرحا للحرب، لا يبقى الجيش بعيدا عن تفاصيل المجتمع والسياسة؛ فالمجال الذي يفترض أن يحميه يصبح هو نفسه المجال الذي يتحرك داخله، والخطر الذي يواجهه لا يأتي دائما من خارج الحدود، بل قد يتشكل في قلب الدولة وبين مواطنيها.
هناك، عند هذه المسافة القصيرة بين حماية الدولة وحماية النظام، تبدأ الحدود في الالتباس. فالتمرد الداخلي تهديد للدولة، لكن تعريفه ومعالجته يمران عبر السلطة السياسية. والاضطراب السياسي قد يتحول إلى أزمة أمنية، لكن تحديد اللحظة التي يصبح فيها الخلاف السياسي خطرا أمنيا ليس قرارا عسكريا خالصا. ومع تكرار الأزمات، يصبح الجيش حاضرا في مساحة أكبر من المساحة التي رسمتها له وظيفته الأصلية.

حين وصل الفريق إبراهيم عبود إلى السلطة في نوفمبر 1958، كانت الحياة الحزبية تعاني من صراعات حادة، وكانت الحكومة البرلمانية تواجه أزمات متراكمة، وكان الجيش قد أصبح، في نظر قطاعات من النخبة والمجتمع، المؤسسة الأكثر قدرة على حسم لحظة الانسداد. لم يحتج التدخل العسكري إلى أن يقدم نفسه باعتباره انقلابا على الدولة؛ استطاع أن يظهر، في البداية، باعتباره حلا لأزمة السياسة.
وهذه سابقة لا تنتهي بانتهاء أصحابها. فحين ينتقل الجيش من حماية الدولة إلى إدارة الدولة مرة واحدة، يصبح هذا الانتقال جزءا من الذاكرة السياسية، وتصبح إمكانية تكراره معروفة. يعرفها السياسي الذي يعجز عن إيجاد مخرج، ويعرفها الضابط الذي يرى البلاد تغرق في الفوضى، ويعرفها المجتمع الذي بدأ يرى في المؤسسة العسكرية بابا يمكن أن يفتح حين تغلق أبواب السياسة.
لكن السلطة لا تشبه المعسكر. فالمؤسسة التي تدخل القصر تجد نفسها أمام اقتصاد وتعليم وإعلام وعلاقات خارجية وأحزاب ونقابات ومجتمع مدني، أي أمام بلد كامل لا يمكن إدارته بمنطق الأوامر العسكرية وحده. ومع كل يوم يقضيه الجيش في إدارة الدولة، تتسع المسافة التي تفصل المؤسسة عن وظيفتها الأصلية، ويصبح الرجوع إلى الثكنة أكثر تعقيدا من مجرد إصدار قرار بالانسحاب.
ثم جاء مايو 1969، وكان العقيد جعفر نميري في مقدمة الضباط الذين استولوا على السلطة. لكن تجربة مايو سرعان ما تجاوزت حدود الانقلاب العسكري نفسه؛ دخلت إليها الأحزاب والتيارات الفكرية والصراعات الأيديولوجية، وتشكل حولها نظام سياسي له مؤسساته وشبكاته وخطابه. لم يعد العسكري الذي وصل إلى القصر يمثل المؤسسة وحدها، وإنما أصبح جزءا من مشروع حكم كامل.
وبين عبود ونميري، لم يكن الذي يتغير مجرد اسم الحاكم. كان يتغير معنى الممكن السياسي. صار في ذاكرة البلاد أن الجيش يستطيع أن يأتي بالحكومة حين تفشل السياسة، وأن القصر ليس بالضرورة نهاية بعيدة لطريق يبدأ من الكلية الحربية. وكلما جاءت تجربة مدنية ولم تستطع أن تبني استقرارا دائما، بقيت السابقة القديمة قابلة للاستدعاء.
ثم جاء أبريل 1985، وكانت هذه المرة مختلفة.
حين انهار نظام جعفر نميري تحت ضغط الانتفاضة الشعبية، انتقلت السلطة إلى المؤسسة العسكرية مرة أخرى، لكن المشهد حمل اسما سيصبح، مع مرور الوقت، مختلفا في دلالته: المشير عبد الرحمن سوار الذهب.
كان في إمكان الرجل أن ينظر إلى اضطراب البلاد باعتباره مبررا لبقاء الجيش، وأن يجعل المرحلة الانتقالية أطول مما اتفق عليه، وأن يجد في ضعف القوى السياسية سببا جديدا لاستمرار الحكم العسكري. لكنه اختار طريقا آخر. تولى السلطة باعتبارها مسؤولية انتقالية، وعندما انتهت مهمته سلمها إلى حكومة منتخبة وغادر.

لم تكن قيمة سوار الذهب في أنه كان عسكريا وصل إلى القصر، فهذا حدث من قبل. قيمته في أنه وصل إلى المكان نفسه ثم أعاد تعريف معنى الوصول إليه. لم يعتبر امتلاك القوة تفويضا مفتوحا، ولم يجعل نجاح المؤسسة في السيطرة على الدولة دليلا على حقها في الاحتفاظ بها. كان وجوده هناك مرتبطا بمهمة، والمهمة مرتبطة بزمن، وحين انتهى الزمن انتهى وجوده في القصر.
ولهذا يصعب وضع سوار الذهب في السلسلة نفسها التي تضم العسكريين الذين وصلوا إلى السلطة ثم جعلوا بقاءهم فيها غاية. فهو لا يمثل مجرد استثناء أخلاقي في تاريخ عسكري مضطرب، وإنما يمثل احتمالا آخر لمعنى القيادة: أن تكون قادرا على الوصول، وقادرا في الوقت نفسه على معرفة اللحظة التي يصبح فيها البقاء خروجا عن المهمة.
لكن الطريق عاد إلى القصر في يونيو 1989، وهذه المرة حمل معه شيئا لم يكن موجودا بالدرجة نفسها في التجارب السابقة: مشروع سياسي وأيديولوجي منظم، وجد في القوة العسكرية وسيلة للعبور إلى الدولة.

كان عمر البشير في مقدمة المشهد العسكري، لكن ما نشأ بعد الانقلاب لم يكن نظاما عسكريا بالمعنى البسيط. دخل التنظيم السياسي إلى الدولة، وتشكلت شبكات من الولاء والمصلحة، وأعيد ترتيب مؤسسات الخدمة العامة والأمن والاقتصاد، وأصبحت القوة العسكرية جزءا من منظومة أوسع لحماية النظام وإعادة إنتاجه.
عندها لم يعد السؤال عن ضابط وصل إلى الرئاسة، بل عن علاقة أكثر تعقيدا بين الضابط والتنظيم والدولة. فالضابط الذي يتحرك داخل مشروع أيديولوجي قد لا يرى السلطة غاية شخصية؛ يمكن أن يراها جزءا من مهمة أكبر، وأن يرى في بقاء المشروع بقاء للدولة نفسها، وفي الدفاع عن السلطة دفاعا عن الفكرة التي يعتقد أنها تنقذ المجتمع.
وحين تختلط الفكرة بالسلطة، يصبح الخروج منها أكثر صعوبة. المعارضة لا تعود مجرد اختلاف سياسي، والاعتراض لا يعود دائما موقفا يمكن احتماله، بل يمكن أن يتحول إلى تهديد للمشروع كله. ومع الوقت تتداخل الدولة مع النظام، والنظام مع التنظيم، والتنظيم مع الفكرة، حتى يصبح الفصل بينها عسيرا.

وهنا يصبح السلاح في وضع مختلف: لا يحمي الدولة وحدها، وإنما يحمي منظومة سياسية ترى نفسها ممثلة للدولة.
لم يكن سقوط نظام الإنقاذ كافيا وحده لمحو هذا الإرث. فالأفكار لا تسقط بسقوط الحكومات، والشبكات التي تكونت خلال عقود لا تختفي بمجرد تغير رأس السلطة، كما أن التصورات التي نشأت حول معنى الدولة والولاء والقوة يمكن أن تعيش بعد أصحابها ومؤسساتهم. ولهذا فإن نهاية نظام سياسي لا تعني بالضرورة نهاية الطريقة التي كان يفكر بها في الدولة.
وفي وسط هذا التاريخ كله يقف الطالب الذي يدخل الكلية الحربية.
ليس من العدل أن نفترض أنه يدخلها وهو يحلم بالرئاسة. قد يكون آخر ما يفكر فيه هو السياسة، وقد يكون حلمه أن يصبح ضابطا محترفا، أو أن يصل إلى رتبة عالية، أو أن يظل في الجيش حتى نهاية خدمته. فالطموح الشخصي لا يمكن تعميمه على جيل كامل من الطلاب.
لكن الإنسان لا يتكون داخل فراغ. الطالب يدخل مؤسسة يعرف تاريخها، ويعرف أن بعض الذين ارتدوا هذا الزي وصلوا إلى القصر، ويعرف أن الجيش كان في أكثر من مرة صاحب القرار الأعلى في البلاد. يعرف عبود ونميري والبشير، لكنه يعرف أيضا سوار الذهب، الذي ارتدى الزي نفسه ووصل إلى المكان نفسه ثم اختار أن يغادره.

وهكذا يصبح التاريخ، بالنسبة إلى الطالب، أكثر من أسماء في كتب المقررات. يصبح مجموعة من الصور المتجاورة لمعنى النجاح.
قد لا يكون القصر في ذهنه، وقد لا يخطر له أصلا أن يصبح رئيسا، لكن القصر موجود في نهاية الطريق الذي يعرفه. يعرف أن هذا الطريق، في تاريخ بلاده، لم يكن مغلقا تماما أمام من سار فيه بالزي العسكري.
الطموح الشخصي شيء، والاحتمال الذي يتيحه التاريخ شيء آخر.
المشكلة، إذن، ليست في أن يكون لدى الضابط طموح، ولا في أن يريد أن يصبح قائدا، ولا حتى في أن يحلم بالعظمة المهنية. الجيش يحتاج إلى ضباط طموحين بقدر ما يحتاج إلى ضباط منضبطين. لكن المسافة التي ينبغي ألا تضيع هي تلك التي تفصل بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية.
فالضابط يستطيع أن يريد أعلى الرتب، وأن يصبح قائدا عظيما، وأن يترك أثرا في تاريخ جيشه، من دون أن يكون القصر هو النهاية الطبيعية لهذا الطريق. وإذا أراد بعد ذلك أن يدخل السياسة، فله أن يفعل ذلك من باب آخر، بصفته مواطنا، لا بصفته حاملا للسلاح.
وهنا تصبح القدوة مسألة أكبر من السيرة الشخصية. المؤسسة التي تقدم في ذاكرتها نماذج الوصول إلى القصر، من دون أن تقدم بالقدر نفسه نماذج احترام حدود المؤسسة، تجعل المجد العسكري قابلا للاختلاط بالمجد السياسي. أما حين تصبح صورة القائد الناجح مرتبطة بقدرته على حماية المؤسسة من التسييس، واحترام الحكم المدني، ومعرفة متى يتقدم ومتى يتراجع، فإن معنى القيادة نفسه يبدأ في التغير.

ولهذا يبقى سوار الذهب مهما في هذه الحكاية. ليس لأنه الوحيد الذي كان يمكن أن يفعل الصواب، وإنما لأنه جعل المغادرة نفسها جزءا من القيادة. امتلك القوة الكافية للبقاء، لكنه اختار أن يجعل التخلي عنها جزءا من نجاحه.
وفي بلد عانى طويلا من أن يتحول الوصول إلى السلطة إلى حق في الاحتفاظ بها، تصبح هذه القدرة على المغادرة واحدة من أندر صور القوة.
إصلاح العلاقة بين الجيش والسياسة لا يبدأ عند لحظة الانقلاب وحدها. يبدأ قبلها بكثير، في الكلية التي يتعلم فيها الطالب معنى القيادة، وفي التاريخ الذي تقدمه المؤسسة لأبنائها، وفي العقيدة التي تحدد لمن تنتمي القوة، وفي الحدود التي ترسمها بين حماية الدولة وإدارة الدولة.
يمكن أن يكون الجيش حديثا في سلاحه وتنظيمه وتدريبه، لكنه يظل يحمل تصورا قديما عن السلطة إذا ظل يرى في القوة التي يملكها طريقا مشروعا إلى تحديد من يحكم.
الجيش المهني ليس جيشا ضعيفا، ولا جيشا منزوع الطموح. هو جيش يعرف أن امتلاك القوة لا يمنحه حق استخدامها لاختيار الحكومة، وأن حماية الدولة لا تعني امتلاكها، وأن حماية الدستور لا تمنح المؤسسة العسكرية حق تفسير السياسة نيابة عن المجتمع.
وحين يتغير هذا المعنى، يتغير الطريق كله.
يدخل الشاب الكلية الحربية راغبا في أن يصبح ضابطا. يتعلم أن القوة التي يحملها ليست ملكا له، وأن الرتبة لا تمنحه حقا فوق المواطنين، وأن نجاحه لا يقاس بقدرته على الوصول إلى القصر، وإنما بقدرته على أداء مهمته ثم العودة إلى ثكنته حين تنتهي.
أما إذا اختار السياسة يوما، فهناك طريق آخر.
طريق يبدأ من المواطن لا من الرتبة، ومن الصندوق لا من البندقية، ومن القدرة على إقناع الناس لا من القدرة على إخضاعهم.
عندها فقط تصبح بوابة الكلية الحربية بداية طريق واضح، لا ممرين متداخلين.
طريق يقود إلى الجيش، وطريق يقود إلى القصر، ولا يملك أحدهما مفتاح الآخر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.